دموع البنت في حصن الأمان

بقلم: حسن الكنزلي


خُلِق البيت في فطرة الإنسان ليكون أول وطن للطمأنينة، وأول حضن يتعلم فيه القلب معنى الرحمة، وأول مدرسة يتذوق فيها الإنسان طعم العدل والإنصاف. ففي البيت تتشكل المشاعر الأولى، وتُبنى ملامح الشخصية، ويعرف الطفل – للمرة الأولى – كيف يكون الحنان، وكيف تكون القسوة.

ولهذا كان البيت هو أول ميدانٍد يظهر فيه العدل؛ إن حضر، وأول مكان يتجلى فيه الظلم؛ إن تسلل؛ فالعدل في البيت يزرع الطمأنينة في القلوب، ويُخرج إلى المجتمع نفوسا سوية وقلوبا مطمئنة. أما إذا دخل الظلم من باب الأسرة؛ فإنه لا يكسر القلوب فحسب؛ بل يزرع في النفوس جراحا خفية، لا يراها الناس لكنها تبقى تنبض بالألم سنوات طويلة.

ومن أشد صور هذا الظلم قسوة ما تعانيه بعض الفتيات داخل بيوتهن؛ حين يتحول البيت – الذي يفترض أن يكون مأوى الأمان – إلى مساحة للصمت الموجع والحرمان الخفي.

ففي بعض البيوت يُفتح باب العطاء واسعا للابن؛ يُكرم، ويُعان، وتُلبّى رغباته، وتُهيأ له أسباب الحياة. أما البنت – وهي قطعة من القلب – فتعيش على هامش الاهتمام؛ تُؤجل حاجاتها، وتُهمل مشاعرها، وربما تُعامل وكأنها ضيفة عابرة في بيت نشأت بين جدرانه، أو كأنها يد للخدمة لا قلب يستحق الرحمة.

وهنا يبدأ الألم الحقيقي؛ ليس ألم الفقر أو قلة المال؛ بل ألم الشعور بأن القلب غير مرئي، وأن الحنان الذي يُعطى للآخرين لا يصل إليها.

لقد جاء الإسلام قبل قرون طويلة ليقتلع جذور هذه النظرة القاسية التي كانت ترى الأنثى عبئا في الحياة؛ ففي زمن الجاهلية كان بعض الناس يستقبل خبر ولادة البنت بالضيق والحزن؛ فجاء الإسلام ليبدل هذا المفهوم كله، وليعلن أن البنت ليست عبئا؛ بل نعمة، وليجعل الإحسان إليها بابا من أبواب الجنة.

كم من بيتٍ امتلأ رحمة بوجود بنت صالحة! وكم من أب فاز برضا الله؛ لأنه أحسن إلى بناته!
وكم من قلب قاس رقّ حين تعلم أن هذه البنت التي تمشي في البيت بهدوء، تحمل في داخلها عالما من المشاعر الرقيقة التي لا يليق بها إلا الكرامة والرفق.

غير أن الظلم حين يقع داخل الأسرة لا يكون مجرد تصرف عابر؛ بل جرحا عميقا في روح الإنسان؛ فالبنت التي تعيش الحرمان في بيتها قد تكبر وهي تحمل في داخلها شعورا خفيا بالانكسار. وقد تتعلم الصمت بدلا من الكلام، وتخبئ دموعها خلف ابتسامة هادئة لا يعرف سرها أحد.
والأشد إيلاما! أن يحدث ذلك في المكان الذي كان يفترض أن يكون ملاذها الأول.

ومن المشاهد المؤلمة أيضا أن تعود بعض الفتيات إلى بيت أهلهن بعد تجربة زواج قاسية أو حياة لم تكتمل، مثقلات القلب بالخذلان والجراح؛ فتطرق أبواب البيت الذي تربت فيه، وهي تبحث عن حضن يعيد إليها الطمأنينة، وكلمة تمسح عنها تعب الطريق؛ لكنها – في بعض الحالات – لا تجد ذلك الدفء الذي كانت تنتظره؛ بل ربما تُقابل باللوم، أو بالإهمال، أو بنظرات الصمت التي تزيد القلب وجعا.
وما أقسى أن تشعر البنت أنها غريبة في البيت الذي حفظ طفولتها!

إن الأبوة ليست مجرد لقب اجتماعي يُحمل؛ بل أمانة ثقيلة ومسؤولية عظيمة؛ فالبيت العادل ليس هو البيت الغني بالمال؛ بل البيت الغني بالرحمة.
والعدل بين الأبناء لا يكون في العطاء المادي فقط؛ بل في النظرة الحانية، وفي الكلمة الطيبة، وفي الاهتمام الذي يشعر كل قلب بأنه مرئي ومقدر.

وكذلك الأخوة ليست مجرد رابطة دم؛ بل ميثاق مروءة.
فالأخ الحقيقي هو الذي يكون سندا لأخته؛ إذا ضاقت بها الحياة، وهو اليد التي تمتد إليها؛ إذا تعثرت بها الأيام.
والرجولة الحقة لا تُقاس بكثرة المال؛ بل بوفاء الرجل لأهله ووقوفه مع أسرته حين يحتاجونه.

والمفارقة المؤلمة أن بعض الناس قد يكون كريما مع الغرباء، سخيا في المجالس، مشهورا بالعطاء بين الناس؛ بينما أخته أو ابنته تعيش في صمت الحاجة، لا تجد من يمد إليها يد العون.
وهذا خلل في ميزان القيم لا يليق بإنسان يعرف معنى الرحمة.

إن كثيرا من هذه المظالم لا تولد من القسوة وحدها؛ بل من أفكار اجتماعية خاطئة تسربت إلى بعض البيوت حتى ظنها الناس من الدين، وهي ليست من الدين في شيء؛ فالإسلام لم يفضل إنسانا على إنسان بالذكورة أو الأنوثة، وإنما جعل معيار الكرامة هو التقوى والإنسانية.
ولهذا فإن إصلاح المجتمع يبدأ من إصلاح البيوت؛ فإذا صلح البيت؛ صلحت القلوب، وإذا انتشر العدل بين الأبناء والبنات؛ كبرت النفوس مطمئنة، وتماسكت العلاقات، وازدهرت القيم.
أما إذا تسلل الظلم إلى داخل الأسرة؛ فإنه لا يبقى شأنا عائليا صغيرا؛ بل يتحول مع الزمن إلى شقوق في جدار المجتمع كله.

إن البنت ليست عبئا في الحياة؛ هي قلبٌ رقيق أودعه الله في الأسرة ليكون مصدرا للرحمة.
وهي ذكرى الطفولة في البيت، وبهجة الزوايا الهادئة، ونور صغير يجعل الحياة أكثر لطفا.
ولذلك فإن أجمل ما يمكن أن يفعله الأب، وأشرف ما يمكن أن يقدمه الأخ، هو أن تشعر البنت في بيتها بأنها مكرّمة، مصونة الكرامة، محفوظة القلب.

فما أقسى أن تبكي فتاة في بيت الأمان! وما أجمل أن يكون البيت – كما أراده الله – حضناً
 يضم القلوب، لا مكانا تُخفى فيه الدموع خلف الجدران.

نسأل الله ان بجعل بيوتنا ملاذا للرحمة، والعدل، والمودة، ودمتم سالمين!