الفرحة في زمن الحرب.. كيف يحيي الغازاويون عيدهم في ظل الحرب والحصار؟

الفرحة في زمن الحرب.. كيف يحيي الغازاويون عيدهم في ظل الحرب والحصار؟

(أبين الآن) تقرير | جلال الصمدي 

العيد في غزة لا يشبه أي عيد آخر له طعمه ولونه،وطابعه الخاص فعيد الغزيين ليس كأي عيد،لأنه لا يُحتفل فيه فقط بالفرح،بل أيضًا بمقاومة هذا الفرح المستمر ولذلك مشهد العيد في غزة شديد التناقض؛ففي الوقت الذي تحتفل فيه بقية المدن في العالم بعيد الفطر بأجواء مليئة بالراحة والرفاهية يظهر العيد في غزة على شكل ابتسامة صغيرة في وجه طفل يركض في شوارع المدينة المدمرة ولذلك هو ليس مجرد احتفال ديني،بل هو نضال ضد الذاكرة المؤلمة، مقاومة ضد الشوق إلى أيام أقل دموية وأشد أمانًا ولذلك ومن الصعب تصور شكل العيد وهل يشبه عيدنا الذي نعيشه أو نعرفه.ولكن ورغم كل شيء ومع كل عيد جديد يعيش الغزيون حلمًا مؤجلًا، حلمًا يعلقونه على جدران قلوبهم على أمل أن تتحقق الأماني،وأن تأتي الأيام التي لا يشوبها ألم.حلم أن يعود العيد في غزة كما في باقي العالم،موعدًا للفرح الخالص دون أن يزعجه صوت القذائف أو يخترقه أزيز الرصاص. حلم بأن يمر العيد بسلام، وأن ينام الأطفال في منازلهم بأمان، لا يخافون من فجوات الليل ولا من شبح القصف الذي يطاردهم في كل ساعة.

مظاهر العيد في غزة:-

في وقت من الأوقات قد يظن البعض أن الفرحة في غزة قد تلاشت مع قسوة الحروب وارتفاع نسب البطالة والفقر، إلا أن الحقيقة عكس ذلك تمامًا. العيد في غزة هو وقت يتجدد فيه الإصرار على الحياة، رغم العوائق التي تضعها الحروب المستمرة. قد تكون المواد الغذائية نادرة وقد تكون الملابس باهظة الثمن، ولكن الغزيين يصرون على جعل العيد مناسبة للفرح. يتم تزيين المنازل بالأنوار البسيطة، وتستمر الفتيات في إعداد الحلويات الفلسطينية التقليدية، بينما يذهب الأطفال إلى شوارع غزة المزدحمة بالزوار والتهاني.حتى في ظل القصف والدمار، يحرص الغزيون على المشاركة في صلاة العيد، التي تمثل، بشكل رمزي، انتصارًا للإيمان الفلسطيني ضد قوى الاحتلال. الطقوس الدينية تُؤدى في المساجد والمصليات، لتكون بمثابة إعلان للوجود الفلسطيني على أرضه، وللتأكيد على تمسكهم بحقوقهم رغم كل ما يواجهونه من تحديات.

•الحصار والدمار:واقع العيد في غزة:-

يمثل الحصار المفروض على غزة منذ سنوات طويلة أحد أكبر العوامل التي تساهم في تعقيد الحياة اليومية للسكان. فالمعابر مغلقة، والموارد نادرة، والقدرة على تأمين احتياجات الحياة الأساسية أصبحت أكثر صعوبة. في العيد، يحاول السكان قدر المستطاع أن يشعروا بتلك اللحظات التي تسبق الفرحة، لكنهم في واقعهم يدركون أن الأمل في هذا العيد يظل ضئيلًا جدًا مقارنة بما يحتاجونه للعيش بكرامة.الأسواق في غزة، التي عادة ما تزدحم بمظاهر العيد من ملابس جديدة وحلويات خاصة بهذه المناسبة، تُحاكي صمتًا موجعًا. المنتجات نادرة، والأسعار مرتفعة للغاية، خاصة مع انقطاع إمدادات الوقود والكهرباء، وهو ما يجعل كل أسرة غزية تحسب حسابات دقيقة لتلبية حاجات العيد الأساسية. لا يتوفر للأطفال الألعاب التي طالما حلموا بها في كل عيد، ولا يمكن للأمهات تزيين منازلهن كما اعتدن من قبل. الفقر يعصف بكل لحظة من لحظات الحياة، ولا شيء يخفف الألم سوى بضع ابتسامات تلوح من الأطفال رغم الوجع الذي يعيشون فيه.

•مأساة العائلات في العيد:-

يجد الآباء أنفسهم في مواجهة تحدٍ لا يُحتمل. فالأطفال في غزة، الذين نشأوا في بيئة حرب مستمرة، لا يعرفون طعم الفرح كما يفهمه أقرانهم في العالم الآخر. يصبح العيد في غزة ليس مجرد مناسبة دينية، بل هو معركة نفسية. فالآباء لا يستطيعون تقديم لأبنائهم هدية العيد، ولا الملابس الجديدة، ولا حتى تلك اللحظات البسيطة التي كانت في السابق تُعدّ جزءًا من فرحة العيد. بل يكون لديهم شعور دائم بالذنب، لأنهم غير قادرين على توفير ما تقتضيه هذه المناسبة لأطفالهم الذين يعلقون آمالًا كبيرة عليها.عائلات فقدت منازلها جراء القصف، وعائلات أخرى فقدت أحبائها في الحروب المتتالية. حتى في العيد، لا يمكن لهم الهروب من ماضيهم المليء بالفقدان والدمار. حتى الزينة البسيطة التي كانت تملأ المنازل في السابق لم تعد ممكنة، بسبب الضائقة المالية المستمرة وانقطاع الكهرباء الذي يُعيق تجميل البيوت. الأطفال لا يعرفون متى سيحصلون على فرصة للعب، ولا يعرفون ما إذا كانوا سيشعرون بفرحة العيد مثل غيرهم. الأمل في تغيير الوضع أصبح نادرًا، وفي قلب كل طفل يبقى السؤال المؤلم: لماذا لم نعد نعيش كما يجب أن نعيش؟

•الفرحة وسط الحصار:-  

الحصار المفروض على قطاع غزة منذ سنوات طويلة أثر بشكل بالغ على جميع مناحي الحياة. فالعديد من الأسر الفلسطينية تجد نفسها أمام تحديات اقتصادية صعبة، حيث ارتفعت أسعار المواد الأساسية، وتضاءلت فرص العمل، وتوقف العديد من المشاريع الاقتصادية بسبب الأوضاع الأمنية. لكن، رغم كل هذه المعوقات، يبقى العيد فرصة لتعزيز الأمل وسط الركام.في وقت تُغلق فيه الحدود، وتُفرض القيود على التنقل، ويتعرض الأطفال لمشاهد العنف والتدمير، يصر الغزيون على بناء لحظات من الفرح في العيد. على الرغم من أنه قد لا يكون هناك المال الكافي لشراء الملابس الجديدة، أو شراء الطعام الفاخر، فإن العائلات الفلسطينية في غزة تبتكر وسائل أخرى لإضفاء جو من السعادة في منازلهم.

•أدوات الحياة:كيف يجد الغزيون وسائل للعيش؟:-

رغم كل شيء، لا يزال في قلب غزة إصرارٌ لا يموت. في ظل التحديات المعيشية التي يواجهها سكان القطاع، فإن العيد يتحول إلى تحدٍ جديد للإرادة. الكبار في غزة يحاولون رغم كل شيء أن يحافظوا على مسحة الأمل في عيون أطفالهم، محاولين في لحظات فرح صغيرة أن يخففوا من وطأة ما يمرون به. فحتى في أوقات الحرب، تبقى غزة تعبر عن قدرة الإنسان على الصمود والتمسك بالحياة، مهما كانت الظروف.

العائلات في غزة تتأقلم مع العيش في أحلك الظروف، في محاولة لإعطاء أملٍ لأطفالهم بأن الحياة تستحق أن تُعاش، حتى في وجود الحرب، والموت، والدمار. فرغم أن الأغلبية قد لا تحصل على لحظاتٍ حقيقية من السعادة، إلا أن العيد بالنسبة للغزيين هو مقاومة للمحتل أولًا، وللظروف الصعبة ثانيًا. إنه إعلان أن الحياة، رغم كل شيء، لا تزال تُقاوم.ولذلك يجب على الغزيين أن يبدعوا في إيجاد حلول لتحدياتهم اليومية. في وقتٍ يكون فيه الحصول على الغذاء والدواء من أكثر الأشياء صعوبة، يستمر الناس في ابتكار حلول تضمن لهم البقاء. الحرف اليدوية، التجارة البسيطة، والزراعة الصغيرة في المنازل، كلها سبل يصر الغزيون على استخدامها للبقاء. ولكن حتى هذه الوسائل تُقابل بصعوبة، بل إن الكثير من هذه المشاريع الصغيرة تُدمر خلال الحروب.

•الفقد في قلب العيد:-

على الرغم من الحرب التي تمزق غزة كل يوم، إلا أن العيد في غزة له طعمه الخاص، ولون آخر، وطابع آخر. فعيدهم ليس كأي عيد، لأنه لا يُحتفل فيه فقط بالفرح، بل أيضًا بمقاومة هذا الفرح المستمر. عيد الغزيين هو ذلك العيد الذي يتناثر فيه الحزن مع الفرحة. تخرج الأسر من بيوتها المحطمة رغم جراحها، وتُحاول تزيين ما تبقى لها من لحظات الأمل. الأطفال الذين كانوا يركضون في الأزقة قبل أن يعصف بهم الدمار، يخرجون اليوم يلعبون بحذر، يحاولون أن يجدوا طعم الفرح وسط الحطام. تلك اللحظات الصغيرة من السعادة تصبح هي الثمن الذي يدفعه الجميع في غزة، مقابل استمرار الحياة، وكأن الحياة نفسها في غزة تصبح فعل مقاومة.

في عيدهم، يخرج الغزيون إلى الشوارع المدمرة، يحيون بعضهم في ظل الحصار، ويعانقون بعضهم رغم القصف. يخفف عنهم الأمل في وجود هذه اللحظات من الفرح، في الوقت الذي يتلاشى فيه كل شيء آخر من حولهم. هذه الفسحة من السعادة الصغيرة هي الأمل الوحيد المتبقي في غزة، وهو ما يجعل العيد في هذه الأرض، رغم المآسي التي تحيط بها، مميزًا عن باقي الأماكن. فبينما العالم يراهم تحت القصف والدمار، يرى الغزيون أن الفرح في عيدهم هو إحدى الطرق للبقاء على قيد الحياة.

•أعياد مليئة بالصمود:-

إن العيد في غزة لا يمثل مجرد احتفال اجتماعي، بل هو رسالة حية من الشعب الفلسطيني للعالم. هو دعوة للاعتراف بالحقوق الفلسطينية، ولكسر الحصار المستمر منذ سنوات. على الرغم من الظروف القاسية، يواصل الغزيون الاحتفال بهذا اليوم، ويؤكدون للعالم أن صمودهم لم ولن يتزعزع.الأعياد في غزة تُعلمنا دروسًا في الصمود والتحدي والإيمان بحتمية النصر، وتجسد أمل الشعب الفلسطيني في التحرر من الاحتلال، وتكريس مبادئ الحرية والعدالة. وبينما يمر كل عيد في غزة، يُضيف هذا الشعب الجديد من معاني الحياة والأمل، متمسكين بمفهوم أن العيد ليس مجرد يومٍ للاحتفال بل هو بداية جديدة للمقاومة والنضال المستمر.

أنقاض الحياة وحياة الأنقاض:-

الحياة في غزة يختلف عن الحياة في أي مكان آخر. هناك حيث الحرب تجعل الحياة أقل معنى، حيث القصف لا يفارق الجدران، حيث التدمير والتشرد هما الحقيقة الوحيدة التي يعرفها الجميع. غزة ليست مجرد مكان على الخريطة، إنها مرآة تعكس معاناة إنسانية حقيقية لا يراها الكثيرون. ترى الحياة في غزة ليس بالابتسامات التي ترتسم على الوجوه، بل بالصرخات التي تنبثق من أعماق الألم.في غزة، الحياة ليست مجرد سيرٍ عاديٍّ بين أيام وذكريات، بل هي معركة يومية ضد الموت، وصراع مستمر بين الأمل والدمار. غزة ليست كأي مكان آخر، فهي تتحدى المنطق وتقلب المفاهيم. هناك، حيث تحاول الشمس أن تشرق في سماء مليئة بالغبار والدخان، يبدو أن الحياة تُفهم بطريقة مختلفة. فبينما تتوارى فرحة العيد خلف سحابات الحزن، وحين تتأثر الأرض بحرب لا تنتهي، يصبح من الصعب تصور أن تلك الحياة التي تراها عيون الناس هي نفسها الحياة التي نعرفها في أماكن أخرى.ورغم كل ذلك، تحاول غزة أن تقاوم في هذه الظلامات المديدة. في كل زاوية، تظل هناك بارقة أمل تتوهج، لا تتوقف عن إشراقها. أحيانًا، يظهر الأمل في شكل ابتسامة صغيرة على وجه طفل يركض في شوارع المدينة المدمرة، أو في شكل يد ممدودة للمساعدة، رغم القسوة التي يعانونها. هذه اللحظات الصغيرة من الأمل هي التي تجعل غزة تظل تنبض بالحياة، رغم كل محاولات الفناء التي تحيط بها.

•الطفولة المدمرة:جيل يعيش في قلب الحرب:-

في غزة، تتأثر الطفولة بشكل كبير بهذا الواقع الصعب. جيل كامل من الأطفال نشأ في ظل الحرب، في ظل الموت، وفي ظل القصف المستمر. في كل مرة تهتز فيها الأرض تحت أقدامهم بسبب قصف الطائرات الحربية، يشعرون بأن الموت قريب منهم، وأن الأمل قد أصبح بعيد المنال. ومع ذلك، فإن أطفال غزة لا يفقدون براءتهم، بل يصرون على أن الحياة تستحق العيش رغم كل شيء.لكن كم من الأطفال في غزة سيعيشون ليشهدوا غدًا أفضل؟ كم من أحلام الأطفال سيتم تدميرها بسبب هذا القدر القاسي؟ ربما تكون أسئلة صعبة، لكن في غزة، لا يعرفون إلا الأمل، رغم أن الموت يحيط بهم من كل جانب.

•الأمل:حلم يُرفض أن يُسلب:-

رغم أن الحياة في غزة ليست سهلة أبدًا، لا يزال الأمل يبقى حيا في قلوب سكانها. ربما يكون الأمل هو الشيء الوحيد الذي لا يستطيع الموت أن يقتله. رغم الحصار، ورغم الحروب المستمرة، لا يزال هناك إيمان بأن غدًا سيكون أفضل. في كل عيد، على الرغم من الدمار، ينشأ الأمل من جديد في نفوس الغزيين. الأمل في العودة إلى ديارهم، الأمل في العيش بحرية، والأمل في بناء حياة أفضل لأطفالهم.ولكن هل يتحقق هذا الأمل؟ هل ستنتهي الحروب وتصبح غزة في يوم من الأيام مكانًا آمنًا للعيش؟ في كل عام، يردد الغزيون دعاءهم: "اللهم ارحمنا، وارزقنا السلام". هذا الدعاء يتردد في كل زاوية من غزة، حيث يصرون على أن الأمل يجب أن يعيش، مهما كانت الظروف.

وختاماً يكمن سرّ العيد في غزة بصموده رغم كل ما يحيط به من أوجاع وآلام، 

ولذلك لا يُعد العيد في غزة مجرد يومٍ من أيام السنة، بل هو رمز للوجود، وللمقاومة، وللحياة التي لا تموت. العيد في غزة هو لحظة وقوف في وجه الموت، ورفض للدمار، ومحاولة لتحقيق السعادة وسط الخراب. حينما تتناثر البسمة على وجوه الأطفال في غزة، فإنها لا تكون مجرد تعبير عن الفرح، بل هي أيضًا تعبير عن قدرة الإنسان على العيش رغم الصعاب.إنه حلم مستمر بالسلام، بالسلام الذي لا يأتي أبدًا، لكنه لا يزال يملأ القلوب بالأمل. في كل عيد، على الرغم من الحزن، يظل الغزيون يتطلعون إلى غدٍ أفضل.وفي كل لحظة من لحظات الألم، يظهر الأمل كأحد الأسلحة التي يقاوم بها الإنسان في غزة الحروب. إنهم يثبتون أن غزة ليست مجرد مدينة تتعرض للقصف، بل هي مدينة لا تُقهر، ومدينة تظل تحلم بالحياة رغم كل شيء.