العمليات الامريكية في اليمن بين التقاط الفرصة ومخاطر  اضاعتها ...

العمليات الامريكية في اليمن بين التقاط الفرصة ومخاطر  اضاعتها ...

(أبين الآن) كتب / نجيب عبد الرحمن السعدي 

منذ منتصف مارس ٢٠٢٥، شنت القوات الأمريكية سلسلة من الهجمات الجوية على أهداف عسكرية تابعة لميليشيا الحوثي الإرهابية. تُعد هذه الهجمات أول عملية عسكرية يخوضها الجيش الأمريكي بعد عودة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى البيت الأبيض. جاءت الهجمات بعد إجراءات قامت بها إدارة الرئيس ترامب بالتوقيع على أمر تنفيذي يعيد تصنيف جماعة الحوثي كجماعة إرهابية أجنبية ودخول التصنيف حيز التنفيذ.
نحن هنا نحاول قراءة مدى تأثير هذه الضربات على اليمن وكيفية الاستفادة منها من خلال استغلال الفرص وتجنب المخاطر المحتملة التي قد تنعكس سلبًا على الوضع في اليمن والمنطقة.
لقد حدد الأمريكيون ملامح خطتهم لهذه الحرب، وأهدافها، وحدودها، والمدى الذي يمكن أن تصل إليه، والتشابك بين هذه العمليات وغيرها من الملفات الإقليمية والدولية.
وقد جاء ذلك في عدد من التصريحات لمسؤولين أمريكيين وفي تغريدات نشرت في حساب الرئيس الأمريكي، حيث حُدد الهدف من الحرب وهو حماية خطوط الملاحة الدولية في البحر الأحمر من اعتداءات جماعة الحوثي، ويبدو أن الإدارة الأمريكية ومن خلال معرفتها الجيده بجماعة الحوثي ومدى ارتباطها بايران وحاجة ملالي ايران  للجماعة كورقة بايديهم  اثناء التفاوض على مشروعهم النووي   فقد ذهبت إلى اسوى الاحتمالات وهو أن الحوثيين  لن يتوقفوا عن أعمال تعطيل خطوط التجارة العالمية. لذلك، واصل الرئيس الأمريكي قوله: "مئات الهجمات التي يقوم بها الحوثيون، والمهاجمون البلطجية المتمركزون في اليمن، الذين يكرههم الشعب اليمني، كلها تنبع من إيران وتم إنشاؤها من قبلها. سيتم مواجهة أي هجوم أو انتقام آخر من قبل الحوثيين بقوة كبيرة، وليس هناك ما يضمن أن هذه القوة ستتوقف عند هذا الحد."
وأردف قائلًا عن الإيرانيين وعلاقتهم بالحوثيين: "إنهم يتحكمون بكل خطوة، ويمنحونهم الأسلحة، ويزودونهم بالمال والمعدات العسكرية المتطورة للغاية. من هذه النقطة فصاعدًا، سيتم النظر إلى كل طلقة أطلقها الحوثيون على أنها طلقة أطلقت من أسلحة إيران وقيادتها، وستتحمل إيران المسؤولية." وأضاف في حديث آخر عن الحوثيين: "سيتم القضاء عليهم تمامًا."
وزير الدفاع الأمريكي في حديث له وضّح معالم حربهم ضد الحوثي بقوله: "إلى الحوثيين، هذا ليس حدثًا عابرًا، سيستمر هذا حتى تقولوا: انتهينا من إطلاق النار على السفن... لا نهتم بالحرب الأهلية اليمنية، هذا يتعلق بإيقاف الهجمات على السفن في الممرات المائية، هذا ما نهتم به."
من خلال هذه التصريحات، يتضح أن الهدف من العملية العسكرية هو حماية الملاحة البحرية، وأن العملية ستستمر حتى إنهاء قدرات الحوثيين العسكرية ويصبحوا غير قادرين على استهداف خطوط الملاحة. وهذا لن يتحقق إلا بأحد خيارين:

الخيار الأول: الاستسلام ورفع الراية البيضاء، الذي عبّر عنه وزير الدفاع الأمريكي بقوله: "سيستمر القصف حتى يقول الحوثيون: انتهينا." مما يعني أنه يمكن أن يحدث اتفاق أمريكي-حوثي ومن خلفه إيران، تلتزم فيه جماعة الحوثي بعدم المساس بخطوط الملاحة الدولية، ويرسم حدود للجماعة لا تتجاوزها وتكون تحت عين أمريكا.

الخيار الثاني: الحل العسكري، وهو إنهاء وجود الحوثيين في المناطق التي يسيطرون عليها، وهذا أمر لا يمكن تحقيقه من خلال الاعتماد على الضربات الجوية فقط، ودون أي تحرك عسكري بري. كما أن التدخل المباشر من قبل أمريكا أمر غير وارد حتى اللحظة، كما أنه لا يوجد تنسيق وتعاون بين الأمريكيين والشرعية لأي عمل بري كما يبدو.

وفي ظل الاعتماد على الضربات الجوية فقط، وشل قدرات الحوثي عسكريًا، وقصف مخازن الصواريخ والمسيرات، واستهداف قياداته دون عمل بري وفرض سيطرة عسكرية وأمنية على مناطق سيطرة الحوثي وعودة مؤسسات الدولة إليها، فإن مثل هذا العمل سيجعل جماعة الحوثي قادرة على إعادة إنتاج نفسها من جديد. وفي هذه الحالة، تكون أمريكا قد حافظت على هذه الجماعة كخميرة إرهابية في خاصرة المنطقة، وكخلايا مستكينة بيد إيران يمكن إعادة تشغيلها عند الحاجة، إضافة إلى كونها ورقة تفاوضية بيد ايران  تستخدمها أثناء أي مفاوضات قادمة.
تصريح الأمريكيين بأن هذه العملية لا علاقة لها بالحرب الدائرة بين الشرعية والحوثيين يعني أن أمريكا لن تبحث أو لم تفكر في وضع المناطق التي يسيطر عليها الحوثيون بعد انتهاء عملياتها، سواء خضع الحوثي لمطالب أمريكا أو تطلب الأمر إنهاء وجوده.

لا شك أن التغير في وجهة النظر الدولية حول جماعة الحوثي، ودخول الأمريكيين في مواجهات مباشرة معه يعد تحولا كبيرا من قبل المجتمع الدولي ويمثل هذا التحول فرصة سانحة أمام الشرعية للاستفادة منه وتسخيره لمصلحة اليمن، لتحقيق نصر ناجز على جماعة الحوثي، واستعادة المناطق غير المحررة، ورفع المعاناة عن كاهل المواطنين في تلك المناطق.
إن استغلال هذه الظروف أمر يعني الشرعية دون غيرها، وعليها أن تدرك مسؤوليتها الوطنية وأهمية استغلال هذه الفرصة، وعليها أن تخلق وتُهيّئ الظروف المناسبة للاستفادة منها. وهذا يتطلب تحركًا سريعًا وواعيًا من الشرعية وفق خطوات جادة وفعالة، من أجل تفعيل النقاط المشتركة بين الحكومة والإقليم والجانب الأمريكي، وتقديم رؤية واضحة لكيفية تحرير المناطق الواقعة تحت سيطرة جماعة الحوثي وكيفية إدارتها، موضح فيها كافة الآليات والأدوات اللازمة لتحقيق هذه الرؤية. وتجدر الإشارة والتأكيد على أهمية أن تستند هذه الرؤية إلى لغة المصالح المشتركة بين الجميع.
إن كافة الخيارات أمام الأمريكيين مفتوحة لتحقيق أهدافهم من العملية العسكرية، وهو ما يهمهم، وإذا لم تقدم الشرعية أحد هذه الخيارات، فربما يتقدم الحوثيون بالخيار المناسب لهم، ولن يتردد الأمريكيون في التعامل مع من يمتلك الجاهزية والمبادرة والاستعداد.
إن الاستفادة من هذه التحولات يتطلب جهودا كبيره وعملا يسابق الزمن على المستوى السياسي والعسكري والامني والمعلوماتي والتعبوي وهذا يجعل قيادة الشرعية بحاجة الى ان تجيب نفسها على سؤال بعد قرابة ثلاثة اشهر من تصنيف الادارة الامريكية لجماعة الحوثي كجماعة إرهابية وبعد  عشرين يوم من العمليات العسكرية ما هي الخطوات التي قامت بها من اجل الاستفادة هذه التحولات والعمل على تجنب اي مخاطر محتملة قد تنتج حال الفشل في الاستفاده منها.