تعز. مدينة تختنق تحت وطأة الغلاء وانهيار الخدمات وتفاقم الأزمات الإنسانية
( أبين الآن) تقرير: موسى المليكي
تعيش مدينة تعز مرحلة توصف بأنها من الأصعب منذ سنوات في ظل تراكم أزمات اقتصادية وخدمية وصحية متزامنة ألقت بظلالها الثقيلة على الحياة اليومية للسكان. وبين انفلات الأسعار واضطراب سوق الصرف، وأزمة الغاز والضغط الهائل على المستشفيات تبدو المدينة أمام مشهد معيشي معقد يهدد بمضاعفات اجتماعية وإنسانية واسعة.
انفلات الأسعار… بين تحسن الصرف وثبات الغلاء.
رغم التحسن النسبي الذي طرأ على سعر صرف الريال اليمني أمام العملات الأجنبية خلال الأيام الماضية لم يلمس المواطنون أي انعكاس حقيقي لهذا التحسن على أسعار السلع في الأسواق المحلية.
فجوة بين سعر الصرف والأسعار
انخفض سعر صرف الريال السعودي من نحو 425 إلى 410 ريالات إلا أن أسعار المواد الغذائية والدوائية بقيت عند مستويات مرتفعة.
ويقول مواطنون لموقع احداث العالم إن هذا التناقض يعكس غياب آلية واضحة لضبط الأسعار وربطها بسعر الصرف بشكل مباشر.
ويشير مراقبون اقتصاديون إلى أن استمرار تسعير السلع وفق أسعار صرف سابقة يخلق هامش ربح إضافيًا للتجار خاصة في ظل غياب رقابة ميدانية فعالة وآليات مساءلة شفافة.
تأثير مباشر على الأسر.
أدى هذا الواقع إلى تآكل القدرة الشرائية للأسر خصوصًا الموظفين وأصحاب الدخل المحدود. فأسعار الدقيق والأرز والزيوت والسكر واللحوم باتت تلتهم الجزء الأكبر من الدخل بينما ارتفعت أسعار الأدوية إلى مستويات يصعب على المرضى تحمّلها، ما يهدد حياة أصحاب الأمراض المزمنة.
سوق الصرافة. شلل مالي يزيد الضغوط.
بالتوازي مع أزمة الأسعار، يشهد سوق الصرافة حالة من الاضطراب غير المسبوق.
فقد اشتكى مواطنون من امتناع عدد من محلات الصرافة عن شراء العملات الأجنبية خصوصًا الدولار والريال السعودي والاكتفاء بعمليات البيع أو صرف الحوالات بالعملة المحلية بأسعار يعتبرها المواطنون غير عادلة.
أزمة ثقة وسيولة.
يؤكد متابعون أن هذه الممارسات تعكس أزمة سيولة واختلالًا في إدارة السوق فضلًا عن ضعف الرقابة الرسمية.
وأدى ذلك إلى شلل جزئي في حركة التداول حيث يجد المواطن نفسه عاجزًا عن تحويل مدخراته أو حوالاته إلى سيولة تساعده على تلبية احتياجاته اليومية.
الحوالات. شريان حياة مهدد .
تعتمد آلاف الأسر في تعز على الحوالات الخارجية كمصدر دخل رئيسي. ومع تعقيد إجراءات الصرف أو خفض قيمتها الفعلية تتعرض هذه الأسر لضغوط إضافية، ما يعمق الفجوة المعيشية ويزيد من معدلات الفقر.
القطاع الصحي… منظومة على حافة الانهيار.
تتعرض المستشفيات والمراكز الطبية في المدينة لضغط متزايد نتيجة تزايد الإصابات الناجمة عن حوادث السير وإطلاق النار في وقت تعاني فيه المنظومة الصحية من نقص حاد في التمويل والمستلزمات.
طوارئ ممتلئة ونقص في الإمكانات.
تعمل أقسام الطوارئ والعمليات بكامل طاقتها الاستيعابية، بينما تعاني بعض المرافق من نقص في الأدوية والمحاليل والمستلزمات الجراحية.
ويشير عاملون في القطاع إلى أن استمرار تراجع الدعم قد يؤدي إلى توقف خدمات حيوية في بعض المرافق الكبرى.
مخاطر إنسانية متصاعدة
مع اقتراب شهر رمضان وارتفاع الاحتياجات الصحية والغذائية تتزايد المخاوف من حدوث انهيار جزئي في الخدمات الطبية ما يضع حياة المرضى خصوصًا الأطفال وكبار السن وذوي الأمراض المزمنة أمام خطر حقيقي.
أزمة الغاز… طوابير تعكس عمق الاختناق.
تعاني المدينة من نقص كبير في إمدادات الغاز المنزلي، قُدّر بنحو 50% من الاحتياج الفعلي ما أدى إلى عودة مشاهد الطوابير الطويلة أمام محطات التعبئة.
انتظار تحت الشمس.
يقول مواطنون لموقع احداث العالم إن رحلة البحث عن أسطوانة غاز قد تستغرق أيامًا في ظل توزيع غير منتظم واختناقات تموينية متكررة. ومع دخول شهر رمضان ارتفع الطلب بشكل ملحوظ ما ضاعف من حدة الأزمة.
انعكاسات على الحياة اليومية
لم تعد أزمة الغاز مجرد مشكلة تموينية بل أصبحت عامل ضغط نفسي واجتماعي إذ تجد الأسر نفسها عاجزة عن تلبية أبسط احتياجات الطهي في ظل ارتفاع أسعار بدائل الوقود.
أبعاد اجتماعية مقلقة.
تسببت هذه الأزمات المتداخلة في اتساع دائرة الفقر والعوز.
زيادة الاعتماد على المساعدات الإنسانية.
تنامي الاحتقان الشعبي والشعور بالإحباط.
تراجع الأنشطة التجارية الصغيرة نتيجة ضعف السيولة.
ويرى محللون أن استمرار هذه الظروف دون تدخل فعّال قد يؤدي إلى اضطرابات اجتماعية أوسع خاصة في ظل غياب حلول هيكلية طويلة الأمد.
مطالب الشارع… بين الرقابة والدعم العاجل.
يطالب ناشطون ومواطنون بإجراءات عملية تشمل.
ربط أسعار السلع بسعر الصرف الفعلي وإعلان تسعيرة رسمية واضحة.
تشديد الرقابة على الأسواق ومنع الاحتكار والمضاربة.
تنظيم عمل محلات الصرافة ووضع ضوابط شفافة لسوق العملات.
توفير دعم مالي عاجل للقطاع الصحي لضمان استمرار الخدمات.
معالجة اختناقات الغاز ووضع آلية توزيع عادلة ومنظمة.
مدينة تبحث عن بارقة أمل
تعكس الأوضاع الراهنة في تعز صورة مدينة ترزح تحت أعباء متراكمة حيث تتشابك الأزمات الاقتصادية والصحية والخدمية لتشكل واقعًا يوميًا مرهقًا لسكانها.
وبينما تتصاعد الدعوات لمعالجة عاجلة وشاملة يبقى مستقبل الاستقرار المعيشي مرهونًا بمدى قدرة الجهات المعنية على الانتقال من مرحلة البيانات والتصريحات إلى تنفيذ خطوات عملية تعيد الحد الأدنى من التوازن إلى حياة المواطنين قبل أن تتسع رقعة الأزمة إلى مستويات يصعب احتواؤها.


