إيران.. إمبراطورية النار التي تُحرق العرب بعباءة الدين...

في تاريخ العلاقات بين الأمم لحظات يتداخل فيها السياسي بالحضاري، ويختلط فيها الصراع على المصالح بالصراع على الذاكرة .
وفي الحالة "العربية - الإيرانية" فالأمر يتجاوز مجرد خلافات سياسية عابرة إلى احتقان تاريخي لدى الإيرانيين متجذرٌ فيه الحقد ومُوَطَّنٌ به ضغينة محمولة عبر قرون وأجيال لا تحتاج إلى فرصٍ سانحة لتطفو على السطح فهي تتجلى في سياسات ثابتة وأفعال ممنهجة تُترجِم ذلك الاحتقان القديم إلى واقع ملموس .
فمنذ قيام نظام ولاية الفقيه قبل أكثر من أربعة عقود كانت
المنطقة العربية وجهة إيران ومسرحها المفضل لـ "تصدير الثورة" وذلك عبر وسائل متعددة : سياسية، عسكرية، إعلامية،إقتصادية، مذهبية، وحتى ثقافية .
وفي كثير من الحالات اتخذ هذا " التصدير" طابعاً صدامياً مع الدول والمجتمعات العربية، تحت شعارات دينية أو ثورية تبدو في ظاهرها شيئاً، بينما تخفي في باطنها أهدافاً أخرى .

وخلال العقود الأربع الأخيرة ظهرت أشكال مختلفة لهذا " التصدير" الإيراني في المنطقة العربية، يمكن تلخيص أبرزها في عدد من المسارات :
1 ـ الحروب المباشرة : خلال القرنين " العشرين ،الحادي والعشريين"  شنت إيران واحدة من أطول الحروب حين شنت الحرب على الأمة العربية ممثلة بالعراق بين عامي 1980و1989م وهي حرب مدمرة حصدت مئات الآلاف من الضحايا وأدخلت العراق والعرب في مرحلة طويلة من الاستنزاف، و في مطلع العقد الأول من القرن الحالي تدخلت عسكريا بشكل مباشر - ولعشر سنوات - ضد الشعب السوري وأسفر ذلك التدخل عن تهجير ثلثي الشعب السوري وقتل وتغييب الملايين وتدمير سورية بالكامل ونهب خيراتها ومصادرة ممتلكات السوريين ، وهاهي حاليا تشن حربا مباشرة ضد دول الخليج العربي الست بالإضافة للأردن في انتهاك صارخ للقانون وللأعراف الدولية وفي مخالفة فجة لقواعد الجوار ،ودون سابق إنذار ، وعلى هامش "حربها مع الكيان الصهيوني" بالطبع ! وما ميز هذه الحرب هو أن إيران تستهدف العرب بما نسبته تسعين بالمائة من صواريخها وطائراتها المسيرة بينما العشرة بالمائة من تلك الصواريخ وذلك الطيران المسير تذهب للمرور بسمائي العراق ولبنان كدعم صوتي لأذرعها هناك وبحجة ضرب "إسرائيل"! .
2 ـ التحالفات المتناقضة :
فبرغم الخطاب السياسي الإيراني الصاخب ضد أمريكا والكيان الصهيوني إلا أن أحداثاً ووقائع معروفة كَ فضيحتي : "إيران-كونترا - إيران جيت" كشفت عن
قنوات تعاون غير معلنة بين الكيان الصهيوني وإيران ! والتي يفترض أن الطرفين في حالة صراع، الأمر الذي أضاف طبقة أخرى من الغموض والشك إلى المشهد السياسي في المنطقة .
3 ـ استثمار الفوضى الإقليمية :
حيث أنه وبعد الغزو الأمريكي للعراق عام 2003م توسع النفوذ الإيراني بشكل ملحوظ داخل مؤسسات الدولة العراقية، وبتوافق بين البيت الأبيض والولي الفقيه وبرز دور الميليشيات المرتبطة بطهران في صياغة موازين القوى الجديدة داخل العراق .
4 ـ سياسة الأذرع والميليشيات :
ففي أكثر من بلد عربي ظهرت تشكيلات عسكرية أو سياسية مرتبطة بإيران، تعمل كقوة موازية للدولة أو كفاعل مؤثر في القرار الوطني، كما هو الحال في عدد من الدول العربية كَ : لبنان ، سورية ، اليمن ، البحرين .
5 ـ الصراع عبر الجماعات والتنظيمات :
يرى كثير من الباحثين أن اختراق الجماعات المتشددة من قبل إيران أو التلاعب بها أصبح أحد أدوات إيران غير المباشرة إذ يؤدي ذلك إلى إنهاك المجتمعات العربية وإغراقها في دوامات من العنف والفوضى كما حصل في كل من : مصر، الجزائر، الصومال، السودان ،ليبيا، فلسطين، المغرب، البحرين ،الكويت .
6 ـ تغيير البنية الاجتماعية والديموغرافية :
في بعض مناطق النزاع حيث وقفت إيران خلف عمليات تهجير وإعادة توطين للسكان في كل من العراق وسورية ولبنان واليمن، وهي ظاهرة تزيد من تعقيد المشهد السياسي والاجتماعي وتترك آثاراً طويلة الأمد على توازنات المجتمعات .
7 ـ الحرب الناعمة :
لم يقتصر الأمر على السياسة والسلاح؛ بل استخدمت إيران أدوات أخرى كالإعلام والدراما والخطاب الديني كأدوات مؤثرة في تشكيل الوعي وإعادة كتابة الروايات التاريخية بما يخدم سرديات الولي الفقيه الساعية إلى تقوض المجتمعات العربية .

صراع النفوذ أم صراع الهوية ؟
المفارقة اللافتة أن إيران تحيط بها دول وقوميات متعددة من الشرق والغرب والشمال، ومع ذلك يتركز الجزء الأكبر من صراعاتها خارج حدودها في المجال العربي تحديداً .
وهنا يبرز سؤال يتكرر في الذهنية السياسية العربية وهو :
هل ما يحدث من قبل إيران مجرد تنافس جيوسياسي طبيعي في المنطقة؟ أم أنه صراع أعمق يتصل بالهوية والذاكرة التاريخية ؟
الإجابة سهلة حيث يبدو الأمر واضحاً بأن إيران تُعبر بأفعالها عن حقدٍ تاريخيٍّ وضغينةٍ أزليةٍ تجاه العرب ، وليس للجيوسياسيا الطبيعية أي حضور مطلقاً ، فمنذ عقود بالطبع وإيران تُنَفس عن أحقادها وتَضخ ضغينتها عبر سياساتٍ وأفعالٍ تنطلق من زواياها التاريخية وأبعادها المتعلقة بالهوية الماضوية وهي سياسات وأفعال خارجة عن اللياقة والأعراف المتعارف عليها بين الدول وخاصة ذات الجوار، وهي تتجاوز بتلك الافعال كادل أطر الديبلوماسية والعلاقات الدولية القائمة على احترام سيادة الدول وعدم التدخل في الشئون الداخلية والالتقاء حول المصالح المتبادلة والنظر نحو المستقبل .

وإذا كان إبليس " "ولكونه خلق من نار" بَنى خطته على أن تكون النار مصير بني آدم في الآخرة !
فإن ثمة امبراطورية عبدت النار وظلت تُحرق العرب بتلك النار في "الأولى" قبل الآخرة !
وبما أن العرب من أطفأ النار تلك قبل أربعة عشر قرنا فإنه لن يُطفئ لهيبها مجدداً ويُخمد أوارها ثانية إلا من أطفأها وأخمدها في المرة الأولى وهم " العرب" .

بقي السؤال :
أكو عرب ؟ !