السترة والخيار الثالث
بقلم./ أبو زين ناصر الوليدي
بينما كنت جالسا في أحد مساجد مدينة عدن بعد أن صليت ركعتي السنة البعدية لصلاة الظهر، إذ تشكلت بالقرب مني حلقة لشاب سلفي يلتف حوله عدد قليل من الطلاب، وكان يتكلم عن حكم سترة المصلي، فكان آخر ما قرره لطلابه قوله: (فالسترة واجبة، ومن قال غير ذلك فهو إما أن يكون جاهلا أو صاحب هوى) وكان الطلاب المساكين يتلقون منه ذلك بالتسليم المطلق وكأن شيخهم هذا هو أحد الفقهاء السبعة أو الأئمة الأربعة، وهنا وجدت نفسي مضطراً للتدخل فقلت له: هل تسمح لي يا شيخ بملاحظة بسيطة قبل أن ينصرف الطلاب ؟ قال : تفضل. قلت له: يا أخي ليتك توسع الخيارات فتجعل هناك خيارا ثالثاً ورابعا وخامسا فأنت الآن حصرت المسألة في خيار واحد وضيق، وجعلت كل الخيارات الأخرى محظورة ملغومة، أنت الآن تتهم كل القائلين باستحباب السترة على مر عصور الإسلام بأنهم إما أن يكونوا جهلة أو أصحاب هوى.
قال : نعم ، وهكذا كل من يخالف الدليل الواضح الجلي وووو.
قلت له: يا شيخ هل تدري أن الأئمة الأربعة وجمهور فقهاء الإسلام لا يرون وجوب السترة، ففي نظرك أن هذه الحشود الهائلة من مجتهدي الأمة الإسلامية داخل المذاهب الأربعة وخارجها إما أن يكونوا جهلة أو أصحاب هوى، وأنت وحدك ومن تقلدهم أصحاب هدى وعلم واتباع للدليل، أقول هذا وأنا أعلم أنك تقلد الألباني والشوكاني رحمهما الله أنت وتيار عريض داخل السلفية، والشوكاني والألباني لم يقولوا أن من خالف اجتهادهما جاهل أو صاحب هوى بل أنهم يعلمون أنهم خالفوا في هذه المسألة جل مجتهدي الأمة قديما وحديثا.
ثم أخذ الشيخ هذا يجادل وينافح ويقحم في نقاشه الإخوان المسلمين و الحزبيين وأهل البدع، وكأن من علامات الإخواني والحزبي والمبتدع أن يقول باستحباب السترة، وأخذ الجدل اتجاهات أخرى، فقلت له: حتى الشيخ الألباني يصحح في كتابه صحيح الجامع حديث (إن النبي صلى الله عليه وسلم صلى إلى غير شيء يستره). ولأني أحسب أن هذا التيار الفكري يحترم فتاوى علماء المملكة العربية السعودية قلت له: حتى الشيخ ابن باز وابن عثيمين والفوزان يقولون باستحباب السترة ولا يقولون بالوجوب. فقال: هذا كذب عليهم. فتناولت من مكتبة صغيرة بجانبي كتاب ( فتاوى علماء البلد الحرام) وهو مجلد ضخم يصل حوالي إلى ( ٢٠٠٠) صفحة جمعه الدكتور خالد الجريسي فأخذت أقلب الكتاب وهو وطلابه ينظرون حتى وصلنا إلى حكم السترة فقرأنا فيها رأي اللجنة الدائمة وكبار علماء السعودية وقولهم بالاستحباب، وهنا شعر بالحرج أمام طلابه فقال : من هو هذا خالد الجريسي الذي جمع الكتاب؟ أول مرة أسمع به! ولعله من الحزبيين.
ثم انصرف شيخنا وقد اختبطت عليه الرصة وتسلل الشك إلى قلوب طلابه وودعني بعينين حادتين هذا فقط لأني أرجعته عن خطأ علمي ومنهجي تشبع به هو وتيار عريض من متفقهة هذا الزمان، منهج يقوم على التقليد لبعض المعاصرين مع دعاوى عريضة في الاجتهاد وجهل كبير بمذاهب السلف وتخريجات العلماء وأصول المنهج العلمي الصحيح، مع كبر وغرور وإقصاء لكل مخالف ولو كانت الأمة كلها.
وقد ذكر لي صديق أنه كان في الحرم قريباً من الكعبة ورأى هناك الشيخ صالح الفوزان يصلي إلى غير سترة وكان بجانبه شاب من هؤلاء المتفقهة فقال هذا الشاب المتفقه: الشيخ الفوزان لا يحترم العلماء ويصلي إلى غير سترة، قلت لصديقي الذي روى لي الحادثة: بل هذا المتفقه لا يحترم العلماء فهو لم يحترم الشيخ الفوزان ولا علماء السلف والخلف الذي يكادون يجمعون على أن السترة ليست واجبة.
وقبل مدة كان يناقشني أحد هؤلاء عن حكم صلاة الجماعة، وذكرت له خلاف العلماء في حكمها فقال في حديث متشعب: لو أجمع أهل السموات والأرض على أن صلاة الجماعة ليست واجبة لما قبلت قولهم، ولو قال خلاف الوجوب الصحابة والتابعون ومن تبعهم إلى اليوم لرميت بكلامهم عرض الحائط. هنا دهشت وأصابتني الصدمة.. هل يعي هذا ما يقول ؟ ماهذه الجرأة على الأصول العلمية؟ وكيف تشكلت هذه الأفكار حتى تحولت إلى ظاهرة طافحة على السطح العلمي والدعوي؟ ويلك يا هذا أين الإجماع ؟ اين فهم السلف ؟ أين أصول الفقه والقواعد العلمية ؟
وقد كتبت تلك الليلة تعليقاً على هذا الشاب منشورا بعنوان ( عرض الحائط) .
وهنا يقع على العلماء وطلاب العلم التصدي لهذا الشطط والزيغ المنهجي قبل أن نغرق في ظلام لا نور فيه.
اللهم أبرم لهذه الأمة أمرا رشدا وجنبها مزالق الغلاة والجفاة وهيء لها علماء ربانيين يأخذون بأيديها إلى بر الأمان.