د.رفعت جبر: صراع النفوذ في الشرق الأوسط.. هل تتحرر المنطقة من هيمنة النفط والدولار؟
(أبين الآن) متابعات
يتجه مستقبل الطاقة في الشرق الأوسط، هذه المنطقة الغنية بالموارد والمثقلة بالتحديات، نحو مفترق طرق حاسم. فالتحول العالمي نحو الطاقة النظيفة، مقروناً بالتعقيدات الجيوسياسية، يفرض على دول المنطقة إعادة صياغة استراتيجياتها لضمان رفاهية شعوبها واستدامة اقتصاداتها.
بين النفط والشمس: التحول الطاقي والصراعات الجيوسياسية
لا تزال المنطقة تعتمد بشكل كبير على الوقود الأحفوري (النفط والغاز) كمصدر رئيسي للدخل، رغم امتلاكها إمكانات هائلة في الطاقة الشمسية وطاقة الرياح. التحدي الأول يتمثل في تسريع عملية تنويع الاقتصاد ومزيج الطاقة للاستفادة من هذه الموارد النظيفة، وتحويل الموقع الجغرافي للمنطقة إلى ميزة استراتيجية جديدة.
التحديات والحروب وخطط النفوذ
تُعد الصراعات الإقليمية والدولية المحرك الرئيسي لزعزعة أمن الطاقة، حيث تؤدي إلى تقلب أسعار النفط والغاز وتهديد طرق الإمداد العالمية. تاريخياً، كانت السيطرة على مصادر الطاقة دافعًا أساسيًا للسياسات الدولية. واليوم يتحول التركيز من الاستيلاء المباشر إلى السيطرة على سلاسل القيمة والطرق التجارية وتكنولوجيا الطاقة المتجددة، مما يتطلب يقظة وحكمة في إدارة العلاقات الخارجية.
التحديات الداخلية
لا بد من تجاوز العقبات الداخلية مثل نقص البنية التحتية المتطورة لربط ونقل الطاقة المتجددة، والتعامل مع النمو السكاني السريع وزيادة الطلب المحلي. كما أن إعادة توجيه دعم الوقود الأحفوري نحو الاستثمار في الطاقات النظيفة يعد خطوة ضرورية لتمهيد الطريق لانتقال سلس ومستدام.
مصر في خضم التحديات: استراتيجية الاستفادة ومستقبل الطاقة
مزايا الموقع والبنية التحتية
تقف مصر في قلب هذه الديناميكيات، وتعد مثالاً لدولة يمكنها تحقيق أقصى استفادة من التحولات العالمية عبر موقعها الاستراتيجي وحسن إدارة شراكاتها.
تقع مصر عند تقاطع طرق التجارة (قناة السويس) ومحاور الطاقة (البحر المتوسط والبحر الأحمر)، وتعمل على تعزيز دورها كمركز إقليمي لتداول الطاقة، خاصة الغاز الطبيعي وتسييله. الأهم هو قدرتها على أن تصبح جسرًا حيويًا لربط شبكات الطاقة المتجددة بين إفريقيا وأوروبا والشرق الأوسط (مثل مشاريع الربط الكهربائي).
الطاقة المتجددة والهيدروجين الأخضر
تمتلك مصر إمكانات هائلة في الطاقة الشمسية والرياح، وتُعد من الدول الرائدة في المنطقة في إطلاق مشاريع ضخمة لإنتاج الهيدروجين الأخضر والأمونيا الخضراء في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس. هذه المشاريع تجعلها لاعبًا أساسيًا في سوق وقود المستقبل.
عضوية مصر في بريكس
إن انضمام مصر إلى بريكس يعزز من قدرتها على تنويع مصادر التمويل لمشاريع الطاقة الكبرى (عبر بنك التنمية الجديد التابع لبريكس)، ويفتح لها آفاقاً أوسع لتأمين أسواق جديدة لصادراتها من الطاقة النظيفة، كما يمنحها ثقلاً أكبر في مفاوضات نقل التكنولوجيا.
مصر، بجهودها لدمج الطاقة النظيفة (الشمس والرياح) مع تطوير البنية التحتية للغاز الطبيعي والهيدروجين، يمكنها أن تستغل موقعها لتحقيق أمن طاقي محلي والمساهمة في أمن الطاقة العالمي.
توحيد الجهود للخلاص والرفاهية: التعاون الإقليمي والدولي
لتحقيق الرفاهية والاستفادة المستدامة، يجب على دول المنطقة التركيز على التعاون الإقليمي المتكامل (بناء شبكات كهربائية مترابطة، وصياغة استراتيجيات موحدة لأمن الطاقة)، إلى جانب إعادة توجيه رأس المال البشري والاستثمار في التعليم التكنولوجي لضمان توطين الخبرات. والأهم من ذلك، يبرز دور التعاون الدولي في تحقيق هدف الاعتماد على النفس.
توحيد الجهود بين القوى العالمية: مفتاح الاستقلال الطاقي للمنطقة
دور بريكس في تعزيز الاستقلال الاقتصادي وتأمين الأسواق
تُشكل مجموعة بريكس الموسعة ثقلاً اقتصادياً وجيوسياسياً متزايداً، وتقدم فرصة حقيقية لدول الشرق الأوسط لتعزيز استقلالها الاستراتيجي.
قوة هذا التعاون تكمن في كونه يضم أكبر منتجي ومستهلكي الطاقة في العالم، مما يفتح أسواقاً جديدة وواسعة (خاصة في آسيا) أمام صادرات الطاقة. والأهم أنه يتيح خيار التسوية التجارية بالعملات المحلية، وهو ما يمثل خطوة نحو تحرير اقتصادات المنطقة من تقلبات سعر الدولار والضغوط الاقتصادية الخارجية.
أهمية الغرب في نقل التكنولوجيا والاستثمار الأخضر
في المقابل، يظل التعاون مع الدول الغربية (الولايات المتحدة وأوروبا) أمراً حيوياً، خاصة فيما يتعلق بالانتقال الطاقي الحديث.
تتميز هذه الدول بامتلاكها التكنولوجيا المتقدمة في مجالات الطاقة المتجددة (الشمس والرياح) والبنية التحتية اللازمة لمشاريع الهيدروجين الأخضر. لكن يجب أن يكون التعاون قائماً على شروط واضحة تضمن نقل التكنولوجيا وتوطينها، بدلاً من مجرد استيرادها.
تحدي نقل وتوطين التكنولوجيا
النقطة الحاسمة في العلاقة مع الغرب هي التردد التاريخي في نقل التكنولوجيا. فغالباً ما تحتكر الدول الغربية المعرفة المتقدمة وتكتفي بعرض المنتج النهائي، مما يعزز التبعية التكنولوجية.
في المقابل، قد تظهر دول من بريكس، وتحديدًا الصين وروسيا، مرونة أكبر في تبادل ونقل التكنولوجيا كجزء من صفقات الشراكة المتكاملة. ولذلك، قد تجد دول الشرق الأوسط أن التعاون الجنوبي-الجنوبي يوفر مسارًا أسرع لتوطين التكنولوجيا وبناء القدرات التصنيعية.
استراتيجية التنويع لتحقيق الاعتماد على النفس
النهج الأمثل لدول الشرق الأوسط ليس في اختيار طرف على حساب الآخر، بل في تبني سياسة “الموازنة بين القوى”. يجب أن تهدف جميع الشراكات إلى هدفين رئيسيين:
1- تأمين الأسواق وتنويعها لضمان استمرار تدفق الإيرادات.
2- توطين التكنولوجيا وتطوير رأس المال البشري لتقليل الاعتماد المستقبلي على الخبرات الأجنبية.
خاتمة: بريكس… بوصلة توطين التكنولوجيا وتحرير القرار
إن مستقبل الطاقة في الشرق الأوسط يتجاوز مجرد بيع برميل نفط أو كيلووات كهرباء؛ إنه يتعلق بتحرير القرار وتحقيق الاكتفاء الذاتي التقني.
وفي ظل تحفظ غربي واضح على نقل التكنولوجيا الحساسة، تصبح الشراكة مع بريكس (خاصة الصين وروسيا) ليست مجرد خيار اقتصادي، بل ضرورة استراتيجية.
لقد أثبتت التجربة العالمية أن الدول التي بنت قاعدة صناعية وتكنولوجية قوية، فعلت ذلك عبر شراكات تضمنت نقل المعرفة وليس مجرد شراء المعدات.
وعليه، يجب على دول المنطقة أن تضع توطين تكنولوجيا الطاقة المتجددة والهيدروجين في صدارة شروط أي اتفاقية دولية، وأن تنظر إلى بريكس بوصفها الشريك الأكثر استعداداً للدخول في شراكات عميقة وموجهة نحو التنمية المشتركة.
هذا التنوع في التعاون هو الضمانة الحقيقية لرفاهية شعوب المنطقة، حيث يقلل من مخاطر الصراعات الجيوسياسية ويعزز من القدرة التفاوضية للدول لتحقيق أمنها الطاقي والاقتصادي المستدام.
إن الدول التي تتبنى استراتيجية واضحة لتوطين التكنولوجيا، مثل مصر، ستكون الأكثر قدرة على صياغة مستقبلها الطاقي بيدها، بدلاً من انتظار وعود الأطراف الدولية.


