حين يصبح النقدُ إهانة… والاختلافُ خيانة

يصعب إصلاح مجتمعٍ تغلَّف وعيهُ بقشور الهيبة الزائفة، حتى بات يرى في كل نقدٍ جرحاً لكرامته، وفي كل اختلافٍ طعناً في ولائه. مجتمعٌ كهذا لا تتقدّم فيه الأفكار، ولا تنمو فيه الحقيقة، ولا يزدهر فيه العقل؛ لأنّ أوّل شروط الإصلاح هو أن يتقبّل الناس مرآة الواقع دون أن يرتجفوا من صورتهم فيها.

النقد، في جوهره، ليس خصومة ولا نيّة مبيتة، بل هو فعلُ بناءٍ قبل أن يكون هدماً، ومحاولةُ إنقاذٍ قبل أن يكون تعريضاً بالآخرين. لكن حين يتعامل المجتمع معه كوصمة، يتحوّل الخطأ إلى عادة، والعادة إلى ثقافة، والثقافة إلى ورمٍ يصعب استئصاله.

أما الاختلاف، فهو أوسع أبواب الإبداع، وأعلى درجات الوعي، وأقصر الطرق نحو الحقيقة. لكن حين يظنه الناس خيانة، يتحوّل الجميع إلى نسخٍ متشابهة، تصمت خوفاً، وتوافق مجاملة، وتساير اضطراراً، حتى يغدو الرأي الواحد سُلطةً، والاتباع أمانًا، والسكوت نجاة.

وما دام المجتمع يرفض النقد ويخاف من الاختلاف، فسيظل يدور في دائرة مغلقة:

أخطاء تتراكم…

وصمت يتمدّد…

ورأيٌ واحد يفرض نفسه بالقوة أو بالعُرف…

ثم نشتكي من التخلّف ونحن نغذّيه، ونلعن الجمود ونحن نصنعه، ونطالب بالتغيير وحين يصبح النقدُ إهانة… والاختلافُ خيانة

أما الاختلاف، فهو أوسع أبواب الإبداع، وأعلى درجات الوعي، وأقصر الطرق نحو الحقيقة. لكن حين يظنه الناس خيانة، يتحوّل الجميع إلى نسخٍ متشابهة، تصمت خوفاً، وتوافق مجاملة، وتساير اضطراراً، حتى يغدو الرأي الواحد سُلطةً، والاتباع أماناً، والسكوت نجاة.

إنّ نهضة الأمم تبدأ من لحظة تدرك فيها أن النقد ليس عداءً، بل محبة صريحة، وأن الاختلاف ليس خيانة، بل شجاعة، وأنّ العقل لا ينضج إلا حين يسمع صوتاً آخر يناقشه، ويواجهه، ويرغمه على التفكير من جديد.

فإذا لم نُعدّ لهذا المجتمع ثقافةً تقبل النقد، ومساحةً تتّسع للاختلاف، فسنظل نسمع كلمات المديح ترتفع… فيما ينهار تحتها كل شيء.