رمضان وأمانة الموارد
في زحمة الحياة، وبين فواتير تُدفع، ومشتريات تُحمل إلى البيوت، قد يتسلل إلى وعينا شعور خفي بأننا نملك ما في أيدينا ملكا مطلقا. هذا مالي، وهذا طعامي، وهذه داري... لكن الحقيقة أعمق من ذلك بكثير.
نحن في هذه الأرض لسنا مُلّاكا بلا قيد؛ نحن مستخلفون. يقول تعالى: ﴿وَأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾ [الحديد: 7]. كلمة “مستخلفين” وحدها كافية لتعيد ترتيب علاقتنا بالمال والنعمة. فالاستخلاف يعني أن ما بين يديك أمانة، وأنك وكيل لا مالك مطلق، وأنك ممتحَن فيما أُعطيت.
قد يكون المال في جيبك، نعم. لكن القمح الذي اشتريت به خبزك لم تخلقه أنت. والماء الذي شربته لم تصنعه يدك. والأرض التي أنبتت الثمر ليست ملكا لك، ولا الشمس التي أنضجته كانت تحت سلطانك. أنت دفعت الثمن؛ لكنك لم تخلق المورد.
وهنا يكمن الفرق الجوهري بين حقّ التملك وواجب المسؤولية؛ لك أن تملك؛ لكن ليس لك أن تُفسد. لك أن تنتفع؛ لكن ليس لك أن تُهدر.
في التصور الإسلامي؛ المال ليس مساحة حرية مطلقة؛ بل مساحة اختبار. يقول تعالى: ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ [التكاثر: 8]. سنُسأل عن كل نعمة مرت بين أيدينا؛ عن الطعام، عن الماء، عن الكهرباء، عن الوقود، عن الفائض الذي رُمي، وعن الحاجة التي كان يمكن أن تُقضى به. يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يُسأل... وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه». ليس السؤال عن الكسب وحده؛ بل عن المصير: أين ذهب المال؟ أفي حاجة أم في عبث؟ أفي شكر أم في إسراف؟
والموارد العامة — ماء، غذاء، طاقة — ليست شأنا فرديا بحتا؛ إنها حق مشترك بين أجيال متعاقبة. حين نهدر اليوم، فإننا نضيّق على الغد. وحين نُسرف، فإننا نحمّل غيرنا كلفة تهورنا.
الإسراف ليس مجرد خطأ عابر؛ بل خلل في الوعي. هو تجاوز الحد في المباح. أما التبذير فهو صرف المال في غير وجهه. قد يكون الطعام حلالا؛ لكن زيادته عن الحاجة إسراف. وقد يكون الإنفاق كثيرا؛ لكنه في غير موضعه تبذير. يقول تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا ۚ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأعراف: 31]. تأملوا العبارة: “لا يحب”. هل يرضى مؤمن أن يعيش في دائرة ما لا يحبه الله؟
كم من موائد تمتلئ بما يفوق الحاجة؟ وكم من أطباق تُرمى، وأعين الفقراء تنظر؟ وكم من ولائم تُقام، لا ليُؤكل؛ بل ليُقال: ما أكرمه!
وفي مواسم يفترض أن يربي فينا الانضباط — كموسم رمضان — نرى مفارقة مؤلمة؛ شهر الصيام يتحول عند بعض الناس إلى موسم استهلاك مفرط. أصناف لا تُعد، وأطعمة لا تُؤكل، ونفايات تمتلئ بها الحاويات.
أي رسالة نغرسها في نفوس أبنائنا حين يرون الطعام يُلقى بلا اكتراث؟ الطفل الذي يرى النعمة تُرمى؛ يتعلم أن القيمة في الكثرة، لا في القناعة. والذي يرى الإسراف عادة؛ سيجعل الهدر سلوكا.
الإسراف لا يميت المال فقط؛ بل يميت الإحساس. إذا اعتاد القلب الامتلاء الزائد، ضعف شعوره بجوع الآخرين. وإذا اعتادت العين رؤية الفائض، لم تعد تبكي لحرمان المحتاج.
للإسراف بعد اقتصادي أيضا. المال الذي يُرمى كان يمكن أن يكون صدقة، أو مشروعا صغيرا، أو دعما لأسرة محتاجة. حين نشتري فوق حاجتنا ونرمي الزائد، فإننا نسهم — ولو دون قصد — في رفع الأسعار، وفي استنزاف موارد السوق، وفي تضييق فرص غيرنا.
الاعتدال ليس دعوة إلى البخل؛ بل إلى التوازن. يقول تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَٰلِكَ قَوَامًا﴾ [الفرقان: 67]. لا إفراط ولا تفريط؛ ميزان دقيق يحفظ كرامة الفرد وحق المجتمع.
وقد جسّد صلى الله عليه وسلم هذا المعنى في تفاصيل حياته اليومية. كان بسيطا في مأكله، معتدلا في إنفاقه، بعيدا عن التكلف والاستعراض. حتى في الوضوء، نهى عن الإسراف ولو كان الماء جاريا.
القضية ليست ندرة المورد فقط؛ بل قيمة الانضباط.
الأمم لا تسقط فجأة، ولا تنهض فجأة؛ إنها تُبنى بعادات صغيرة تتكرر كل يوم. ملعقة تُزاد، بلا حاجة، ماء يُترك جاريا، بلا ضرورة، طعام يُرمى، بلا اكتراث... هذه ليست تفاصيل تافهة؛ بل مؤشرات على وعي أمة أو غفلتها.
العادات الفردية تصنع وعيا جماعيا. إذا تربى الناس على الانضباط في بيوتهم؛ انعكس ذلك على شوارعهم، ومؤسساتهم، وقراراتهم الكبرى. وإذا استهانوا بالتفاصيل؛ انتقلت الفوضى من المائدة إلى المجال العام.
يقول تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ [الرعد: 11]. والتغيير يبدأ من السلوك اليومي، من قائمة المشتريات، من طريقة الطهو، من إغلاق الصنبور بإحكام.
نحن نعيش في عالم تتسع فيه فجوة الموارد؛ شعوب تموت جوعا، وأخرى ترمي الطعام. بلاد تبحث عن قطرة ماء، وأخرى تُهدر المياه بلا حساب. هذا يمنح سلوكنا الفردي بُعدا إنسانيا عالميا. حين نرشد استهلاكنا، فإننا نشارك — بطريقة غير مباشرة — في تخفيف ضغط على مورد، أو تقليل طلب زائد، أو حفظ نعمة مهددة.
المسؤولية ليست فردية فقط؛ بل مجتمعية كذلك. حماية الموارد، سنّ القوانين، نشر ثقافة الوعي، دعم مبادرات التكافل... كلها واجب مشترك بين الفرد والدولة والمجتمع.
تذكروا أن النعم لا تدوم مع كفرانها. يقول تعالى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً… فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ﴾ [النحل: 112]. وشكر النعمة ليس كلمة تُقال؛ بل سلوك يُمارس. حفظها شكر، وترشيدها شكر، وإيصال الفائض منها إلى محتاج شكر.
الرسالة واضحة ومختصرة: فلوسك لك؛ لكن المورد أمانة.
النعمة في بيتك؛ لكنها ستشهد لك أو عليك.
فلسنا مالكين مطلقين؛ نحن مؤتمنون، وكل نعمة سنُسأل عنها.
نسأل الله ان يصلح بيوتنا بالاعتدال، ويبارك لنا في أرزاقنا، وأن يعيننا على ذكره وشكره وحسن عبادته.
ودامت سلامتكم!


