سبتمبر وأكتوبر ونوفمبر... أين الأثر؟
تعود علينا الذكريات الوطنية والثورية كل عام محملة بصور الأبطال وأناشيد التحرير ورايات النصر. نرفع نفس الأعلام، نردد الشعارات ذاتها ، ونحتفل بجلاء المستعمر عن أرضنا. لكن وسط هذا الزخم، يبرز سؤال لا يمكن تجاهله:
هل رحل المستعمر فعلا؟ وهل تحقق التحرر الذي نحتفل به؟
الواقع يقول غير ذلك. فخيرات الوطن ما زالت تُنهب، وإن غاب المستعمر بجنوده، فقد حضر بشركاته واتفاقياته ونفوذه الاقتصادي. لا ماء يروي العطش، لا كهرباء تنير البيوت، لا خدمات تحفظ كرامة المواطن. المعاشات معلقة، والعيش في ظل هشاشة دائمة بات هو القاعدة. نخشى الغد كما نخشى اليوم، وكأن الاستقلال لم يتجاوز حدود الورق.
الجهل يتفشى، والمناطقية تمزق النسيج الوطني، والمرض ينهش أجسادا أنهكها الفقر. التعليم عاجز عن النهوض بالأجيال، والصحة لا تحمي الأرواح. فأين أثر نوفمبر و اكتوبر وسبتمبر ؟ أين وعد التحرير؟ هل كانت الثورة لحظة عابرة في التاريخ، أم مشروعا لم يكتمل؟
نحتفل بالأعياد الوطنية، لكن هل نحتفل كما تفعل الدول التي صنعت استقلالها؟ هناك، تتحول الذكرى إلى مؤسسات، إلى عدالة اجتماعية، إلى سياسات تترجم الشعارات إلى واقع. أما نحن، فنعيش حرية بلا ملامح، لا نعرف لها دعوى ولا صاحب. نرفع الشعارات، لكننا نفتقد الإرادة السياسية التي تجعلها حقيقة.
لقد تحولت هذه الأشهر إلى طقوس موسمية، نمارسها كما لو كانت أصنامًا جديدة: هبل، واللات، والعزى. نطوف حولها كل عام، نردد ذات الكلمات، نرفع ذات الصور، دون أن يتغير شيء في واقعنا. وكأننا نقول: "إنا وجدنا آباءنا كذلك يفعلون". جهل مركب، نُغلفه بالاحتفال، ونخدع به أنفسنا.
المستعمر العسكري ربما غادر، لكن مستعمر الموارد ما زال ينهب النفط، يتحكم في الأسواق، ويُبقي القرار الوطني مرتهنًا. نوفمبر لم يكن نهاية، بل بداية لمسار طويل. والحرية ليست لحظة، بل مشروع يتطلب وعيا، وحدة، ونضالا من نوع جديد. نضال لا يرفع السلاح، بل يرفع الوعي، يبني المؤسسات، ويستعيد القرار.


