السمك يخيس من رأسه… حين يتحول الفساد إلى مهارة وفهلوة وشطارة
في زمنٍ تختلط فيه المعايير وتُقلب فيه المفاهيم، لم يعد الفساد يُمارَس في الخفاء كما كان، بل أصبح – في نظر البعض – شطارة و فهلوة، يُشاد بها، ويُكافأ أصحابها، بل ويُقدَّمون أحيانًا كنماذج ناجحة يُحتذى بها. وهنا تبدأ الكارثة الحقيقية… لأن الفساد حين يجد من يغذيه ويدعمه، لا يبقى سلوكًا فرديًا عابرًا، بل يتحول إلى ظاهرة تنتشر بسرعة مزعجة، كالنار في الهشيم، حتى تصل إلى حدّ الثمالة التي تُفقد المجتمع وعيه وأخلاقه.
ولعل المثل الشعبي القائل .....
السمك يخيس من رأسه..
يلخص المشهد بدقة؛ فحين يفسد الرأس، يفسد الجسد كله. وعندما تتساهل القيادات، أو تتغاضى المؤسسات، أو تُكافئ الفاسد بدلًا من محاسبته، فإن الفساد لا يتوقف عند حد، بل يمتد ليشمل كل مفاصل الحياة. إن أخطر ما في الفساد ليس فقط نتائجه، بل البيئة التي تسمح له بالنمو. فعندما يغيب الردع، وتُكافأ الأخطاء، ويُهمَّش أصحاب النزاهة، يصبح الفساد خيارًا سهلًا، بل ومغريًا. وهنا يفقد الإنسان بوصلته الأخلاقية، ويتحول السلوك المنحرف إلى قاعدة بينما تصبح القيم مجرد شعارات تُرفع دون تطبيق.ولعل أقرب تشبيه لهذا الواقع هو انتشار نبات المسكيت (السيسبان)، ذلك النبات الغازي الذي ينبت بسرعة مذهلة في البيئات المهملة، ويكفي أن تتوفر له ظروف بسيطة بل أحيانًا أدنى الظروف لينمو ويتكاثر. وما إن يتمكن من الأرض حتى يبدأ في خنق وقتل كل من حوله، فلا يسمح لأي نبات آخر أن يعيش بجواره.
هكذا هو الفساد تمامًا…
يبدأ صغيرًا، قد يكون مجرد تجاوز بسيط أو تبرير عابر، لكنه سرعان ما يجد بيئة حاضنة، فينتشر ويتمدّد، ويُقصي كل ما هو نزيه وشريف. ومع الوقت، تصبح النزاهة غريبة، ويُنظر إلى الصدق على أنه ضعف، وإلى الأمانة على أنها سذاجة.
الازدواج الوظيفي… حين تُحتكر الفرص ويُقتل الأمل
وفي واقعنا في اليمن، تتجلى إحدى أخطر صور هذا الفساد في ظاهرة الازدواج الوظيفي، تلك القضية التي ظلت تُرحَّل من حكومة إلى أخرى دون حلول جذرية، وكأنها ملف مؤجل لا يجرؤ أحد على حسمه.
الازدواج الوظيفي ليس مجرد مخالفة إدارية، وليس مجرد فساد إداري ومالي بل هو اختلال عميق في العدالة. إذ كيف يمكن لشخص أن يجمع أكثر من وظيفة، بينما آلاف الشباب ينتظرون فرصة واحدة؟ وكيف تُترك مؤسسات كاملة تعاني من الفراغ، في الوقت الذي تُحتكر فيه الوظائف من قبل قلة؟
لقد أُفرغت مرافق العمل والإنتاج والخدمات من كوادرها، بعد إحالة أكثر من 90% من العمالة التي تجاوزت الفترة القانونية، دون أن يُفتح باب التوظيف لتعويض هذا النقص. وهنا تتجسد المفارقة المؤلمة
وظائف مشغولة بالأسماء، لكنها غائبة بالأداء. هذا الواقع أدى إلى تراجع مستوى الخدمات، وضعف الإنتاج، وتعطّل مصالح الناس، لأن النظام لم يعد قائمًا على الكفاءة، بل على التداخل والمصالح والتجاوزات.
إن الازدواج الوظيفي، في جوهره، لا يختلف عن نبات المسكيت…
يستحوذ على المساحة، يمنع غيره من النمو، ويستهلك الموارد دون أن يترك أثرًا إيجابيًا حقيقيًا.
بين الفساد والواقع… من اين يبدأ الإصلاح؟
حين نعود إلى المثل..
السمك يخيس من رأسه ندرك أن الإصلاح الحقيقي لا يبدأ من القاعدة فقط، بل من القمة قبل كل شيء. فالإدارة النزيهة تخلق بيئة نظيفة، والقيادة الواعية تفرض النظام، وتُعيد التوازن، وتُعيد الثقة للمجتمع.
لكن المسؤولية لا تقع على القيادات وحدها، بل هي مسؤولية جماعية، تبدأ من الفرد الذي يرفض الفساد، ولا يبرره، ولا يتعايش معه، مهما كان بسيطًا.
اجتثاث الجذور لا قص الافروع الجانبيه
كما أن المسكيت لا يُقضى عليه بقطع أغصانه، بل باقتلاع جذوره، فإن الفساد لا يُعالج بالمسكنات، بل بالقرارات الحاسمة، والإرادة الصادقة، وتطبيق القانون بعدالة على الجميع.
إما أن نواجه الفساد اليوم… أو ندفع ثمنه غدًا.
عبدالقادر السميطي
دلتا أبين
28فبراير 26م


