الدائرة المزدوجة:كيف تهدد التغيرات المناخية القطاعين الزراعي والسمكي في بلادنا؟
(أبين الآن) تقرير | جلال الصمدي
لم يعد الحديث عن التغيرات المناخية مجرد رفاهية علمية أو نقاش بيئي يمكن تأجيله إلى مؤتمرات دولية بعيدة، تُختتم ببيانات لا يشعر بها أحد. لقد أصبح التغيرات المناخية اليوم حقيقة ضاغطة، تفرض نفسها على كل تفاصيل الحياة، من قطاع الزراعة إلى قطاع الاسماك والاقتصاد وجودة الخدمات العامة وصولا إلى الأمن الغذائي، ومن استدامة الموارد إلى قدرة الإنسان على البقاء.ففي الوقت الذي تمتلك فيه الدول المتقدمة أدوات مواجهة متكاملة، وتمويلًا واسعًا، وتقنيات حديثة، وخططًا طويلة الأمد، تقف بلادنا والقطاعين الزراعي والسمكي على الطرف الأكثر هشاشة: دولة منهكة، ضعيفة البنية، محدودة الموارد، عاجزة عن التكيف، على الرغم من أنها من أقل دول العالم إصدارًا للانبعاثات المسببة للاحترار العالمي، إلا أنها تتحمل واحدة من أثقل الفواتير المناخية التي تتجاوز قدرتها على التحمل.وما يحدث اليوم ليس أزمة عابرة، بل محنة طويلة الأمد ستحدد مستقبل القطاعين الزراعي والسمكي في بلادنا لعقود قادمة، خصوصًا بعد أن أصبحت التغيرات المناخية حقيقة يومية تُرى قبل أن تُفهم، وتُحس قبل أن تُقاس.ولم يعد السؤال: هل تغيّر المناخ؟ بل: إلى أي مدى تغيّر؟ وكم خسر المزارعون والصيادون بينما كانوا ينتظرون الإجابات، وهم يراقبون سماءً لم تعد تمطر في موسمها، وبحرًا لم يعد كما عرفوه؟
•بلادنا…هشة في مواجهة التغيرات المناخية كعاصفة عالمية؟والقطاعين الزراعي والسمكي أولا المتضررين؟
واقع بلادنا من زاوية التغيرات المناخية تكشف فجوة هائلة بين ما يمكن مواجهته وما يحدث فعليًا على الأرض. فبلادنا ومنذ عقود طويلة تعتمد على الزراعة التقليدية والرعي والصيد، وهي قطاعات حساسة للغاية للتقلبات المناخية. ومع النزاعات المسلحة منذ 2015م، انهارت شبكات الري، وتضررت السدود، وتراجع مخزون المياه الجوفية، وانخفضت الميزانيات المخصصة للإدارة البيئية إلى أدنى مستوياتها.
في بلادنا لم يعد المناخ مجرد تغيّر في درجات الحرارةبل تحوّل إلى خصمٍ شرس يشارك الحرب في تمزيق البلاد.فجأة، أصبحت الأرض التي كانت تفيض بالزرع تتشقّق كأنها تهرب من عطشها، والبحر الذي كان يهب الرزق للصيادين صار يلفظهم بعواصفه، ويغيّر مواسمه، ويبتلع قواربهم كما لو أنه لم يعد يعرفهم.فالتغيرات المناخية هنا لا تأتي على شكل نظريات علمية أو كلمات في المؤتمرات الدولية؛ إنها تأتي على هيئة خسائر ملموسة: مواسم زراعية ضائعة، عواصف بحرية مدمّرة، سواحل تتآكل، وأسماك تهرب إلى مياه أبرد وأكثر برودة. إنها أزمة تتسلّل بصمت، لكنها تضرب بقوة… قوة تشبه الضربة التي لا تُرى إلا بعد أن تُفقدك توازنك.في بلدٍ أنهكته الحرب، لم يعد المناخ يغيّر الطقس فقط، بل يغيّر مصير ملايين اليمنيين الذين يعيشون على الزراعة والصيد.فالمزارعين اليوم لا ينتظرون المطر… بل يخشونه لأنه قد يأتي على شكل سيول جارفة.والصيادين لا ينتظرون الفجر ليخرجوا بل ينتظروا هدوء بحرٍ لم يعد يهدأ.ما يحدث في بلادنا ليس مجرد ظاهرة طبيعية، بل كارثة صامتة تتقدّم بخطى ثابتة، بينما الجميع منشغلون بأزمات أخرى. الحقيقة التي يجب أن تُقال: أن تغير المناخ بات أخطر من الحرب نفسها، لأنه ينهش قوت الناس، ويهدد أمنهم الغذائي، ويعيد تشكيل خريطة الحياة في الريف والساحل على السواء.
•الأرض تحت وطأة الجفاف والفيضانات!
تعتمد الزراعة في اليمن على الأمطار الموسمية بنسبة تتجاوز 70% من إجمالي الإنتاج، لكن التغيرات المناخية قلبت هذه المعادلة رأسًا على عقب.في مناطق مثل تهامة، الجوف، أبين، لحج، الضالع، تراجعت معدلات الأمطار بشكل غير مسبوق، بينما شهدت مناطق أخرى فيضانات وسيولًا جارفة. النتيجة كانت كارثية: خسارة محاصيل، تدهور التربة، وزيادة التكاليف على المزارعين.ارتفاع درجات الحرارة وتسارع تبخر المياه أدى إلى:تلف المحاصيل الحساسة، مثل القمح والذرة والخضروات وانتشار الآفات الزراعية والأمراض النباتية إضافة إلى تراجع جودة التربة وخصوبتها، ما يزيد صعوبة الإنتاج ويهدد الأمن الغذائي.
وفي الوقت نفسه، أصبح نضوب المياه الجوفية مشكلة يومية بسبب الحفر العشوائي، الاستنزاف المستمر، وقلة الأمطار. هذه الأزمة لم تؤثر فقط على المحاصيل، بل أجبرت بعض المزارعين على ترك أراضيهم والهجرة إلى المدن أو الاعتماد على مصادر دخل بديلة.كما أن الفيضانات والسيول التي شهدتها اليمن خلال السنوات الأخيرة في حضرموت، شبوة، أبين، والحديدة، تسببت في:جرف الأراضي الزراعية الخصبة.وتدمير السدود والحواجز المائية.وفقدان المحاصيل والماشية.لقد أصبحت المواسم الزراعية موسم صراع مع الطبيعة وليس موسمًا للزراعة، وهو واقع جديد يهدد مستقبل الأمن الغذائي في البلاد.
•البحر لم يعد كما كان؟
يمثل البحر في بلادنا؟ بيئة بحرية غنية، تشكل مصدر رزق مباشر لملايين الصيادين، لكن التغيرات المناخية قلبت المعادلة هنا أيضًا.ارتفاع حرارة المياه دفع العديد من أنواع الأسماك إلى الهجرة نحو مناطق أبرد، ما أدى إلى:نقص المخزون في المناطق التقليدية للصيد.واضطراب مواسم التكاثر.وزيادة التكاليف على الصيادين بسبب الحاجة للذهاب بعيدًا في البحر.العواصف البحرية والأعاصير، التي ازدادت شدتها وتكرارها مثل أعاصير "تشابالا" و"ميغ" و"هيكل"، أدت إلى:فقدان قوارب الصيادين.تدمير المعدات.ارتفاع معدل الوفيات بين الصيادين.كما أدى تدهور الشعاب المرجانية وارتفاع ملوحة المياه إلى:فقدان موائل أساسية للأسماك.تقليل التنوع البيولوجي.تأثر مواسم التفريخ، ما انعكس سلبًا على الإنتاج السمكي وعلى معيشة الصيادين.
•ضحايا التغيرات المناخية في بلادنا: حين تصبح المحافظات الساحلية أول خطوط المواجهة؟
مع تصاعد مؤشرات التغيرات المناخية عالميًا، تبدو الدول النامية في صدارة قائمة المتضررين، فهي الأكثر هشاشة والأقل قدرة على مواجهة آثار هذه الظاهرة.وفي بلادنا تحديدًا، يتجلى الخطر بصورة أوضح بفعل غياب البنية التحتية القادرة على مجابهة الكوارث، وتراجع قدرات المؤسسات والخدمات العامة نتيجة الظروف التي تمر بها البلاد منذ سنوات.تُعد المحافظات الساحلية مثل عدن، الحديدة، لحج، حضرموت، وشبوة الأكثر تعرضًا لتأثيرات التغيرات المناخية، نظرًا لموقعها الجغرافي وطبيعة أنشطتها الاقتصادية، واعتمادها الكبير على الموارد البحرية. وتحوّلت هذه المحافظات خلال العقد الأخير إلى مناطق شديدة الهشاشة أمام موجات المد البحري، العواصف المدارية، ارتفاع مستوى سطح البحر، والانجراف الساحلي. ولذلك فإن اتخاذ التدابير الكفيلة بحماية هذه المناطق يمثّل أولوية قصوى لا يمكن تجاهلها.
وبوصفنا بلدًا ناميًا،فإن قدرته على مواجهة آثار التغير المناخي ما تزال محدودة للغاية. فغياب الإستراتيجيات الوطنية المتكاملة، وشح الموارد، والتحديات الاقتصادية والأمنية، جميعها عوامل تجعل الاستجابة للتغيرات المناخية أقل بكثير من مستوى الخطر الحقيقي.لقد جعلتنا ظاهرة التغير المناخي بعد أن أصبحت واقعًا ملموسًا نعيد التفكير في الكثير من المسلّمات، فهي أيقظتنا من سبات طويل ونبّهتنا إلى أسئلة جوهرية:هل يمكننا حقًا مواجهة هذه الظاهرة؟وهل تملك بلادنا القدرة على التصدي لتأثيراتها المتسارعة والمتفاقمة؟وأعتقد أن الوقت قد حان لندرك حجم ما يحدث حولنا، وأن نسارع إلى اتخاذ الإجراءات المناسبة لحماية ما يمكن حمايته، وخاصة في المحافظات الساحلية. وإن لم نستطع بناء منظومات حماية كاملة اليوم، فعلى الأقل يمكننا دعم سكان هذه المناطق، وتمكينهم من التكيف، وتوفير الحد الأدنى من أدوات الصمود أمام التغيرات المناخية التي أصبحت تهدد حياتهم وسبل عيشهم بشكل مباشر.
•المناطق الأكثر تضررًا؟
المحافظات الساحلية مثل العاصمة عدن، لحج، أبين، المهرة، وسقطرى،الحديدة تشكل الخطوط الأمامية لتأثيرات التغير المناخي في اليمن. هذه المناطق تعاني من:العواصف والأمطار الغزيرة والفيضانات التي تدمر المنازل والمزارع.ارتفاع مستوى مياه البحر وتآكل السواحل، ما يفقد السكان أراضيهم ويقلل المساحات الصالحة للسكن والزراعة.اضطراب المصايد البحرية، ما يؤدي إلى فقدان مصدر رزق ملايين الصيادين.
•ضعف القدرة على المواجهة؟
بسبب كون بلادنا دولة نامية، البنية التحتية ضعيفة جدًا، والنظم الوقائية للكوارث غير موجودة أو محدودة، ما يجعل السكان أكثر هشاشة أمام الطبيعة. لا توجد شبكات فعالة لتصريف المياه، ولا أنظمة إنذار مبكر للعواصف، ولا دعم كافٍ للمزارعين والصيادين لمواجهة التغيرات المناخية.> يقول أحد سكان الحديدة، محمد سالم:"كل عام، المياه تغمر بيوتنا وحقولنا، ولا نجد من يحمينا أو يساعدنا. أصبحنا ننتظر الفيضانات كما ننتظر الموت الصامت."
•ضحايا مزدوجون:السكان بين المناخ والفقر؟
التغيرات المناخية لم تؤثر فقط على الممتلكات والمصدر الاقتصادي للسكان، بل أصبحت تهدد حياتهم مباشرة:فقدان الأرواح بسبب الفيضانات والعواصف البحرية.هجرة السكان من القرى الساحلية إلى المدن بحثًا عن الأمان والعمل، ما يفاقم أزمة النزوح الداخلي.فقدان مصادر الرزق الأساسية، خصوصًا في الزراعة والصيد.زيادة هشاشة الأطفال والنساء وكبار السن، الذين يواجهون صعوبة في الحصول على الغذاء والماء والمأوى.> تقول الصيادة فاطمة عبدالله من عدن:"البحر أصبح عدواً لنا، القوارب تدمرها العواصف، والأسماك لم تعد موجودة، ونحن لا نملك سوى الصبر."
•ضرورة التحرك العاجل؟
الوقت لم يعد يسمح بالتأجيل. وبلادنا بحاجة اليوم إلى استيقاظ عاجل وقرارات حاسمة. لا وقت للتأجيل، ولا مكان للسياسات النصفية. حماية سكان المحافظات الساحلية هي واجب وطني وإنساني ملح، حماية لقوت الناس، لمستقبلهم، ولحياة أجيال لم تولد بعد.إن لم يتحرك الجميع الآن، ستصبح الكارثة أكبر، وستترك اليمن الساحلي خاضعًا لعواصف الطبيعة والواقع القاسي بلا سند. لكن التحرك السريع، والتخطيط الذكي، والدعم المستدام، يمكن أن يمنح اليمنيين فرصة الصمود والحياة، رغم كل ما يحاك ضدهم من قوى الحرب والمناخ معًا.ويجب على الحكومة والمنظمات الدولية والداعمين العمل بسرعة لتنفيذ إجراءات عاجلة لحماية سكان المحافظات الساحلية ومن أهم هذه الإجراءات أولا إنشاء وحماية أنظمة الصرف والحد من الفيضانات في المدن والقرى الساحلية.ثانيا تعزيز البنية التحتية لمواجهة ارتفاع مستوى مياه البحر وتآكل السواحل.ثالثا تقديم دعم مباشر للمزارعين والصيادين من خلال معدات وتقنيات مقاومة للتغير المناخي.رابعا تطوير نظام إنذار مبكر للكوارث الطبيعية، يتيح للسكان الاستعداد لمواجهة العواصف والسيول.واخيرا خطط حماية اجتماعية وإنسانية لتخفيف معاناة الأطفال والنساء وكبار السن.
وأخيراً التغيرات المناخية وتأثيرها على القطاعين الزراعي والسمكي في بلادنا؟لست مجرد قضية بيئية، بل قضية وجودية تمس حياة ملايين الناس والأسر وتعكس هشاشة الدولة أمام أزمات متعددة.وما لم تكن هناك رؤية حكومية قوية،وإدارة علمية وعمل جماعي،ودعم دولي فعّال،وإدارة علمية للقطاعين الزراعي والسمكي فإن بلادنا ستواجه خطرًا مضاعفًا:وسيظل المزارعين والصيادين في مواجهة مع مناخٍ يتغير أسرع مما يستطيعون التأقلم معه.


