زيوت الحياة، وحماية الإنسان من الاحتراق الصامت

بقلم: حسن الكنزلي


ليس كل من سقط في الطريق ضعيفا، ولا كل مُنهك قليل الهمة؛ فالإنسان المعاصر لا يهلك من كثرة الأعباء بقدر ما يهلك من جفاف الداخل؛ من فقدان ما يخفف الاحتكاك، ويليّن الصدام، ويمنع التآكل البطيء.
حين تُدار الحياة بلا زيوت روحية ونفسية وأخلاقية، يتحول العيش إلى صرير داخلي: قلقٌ في الصدر، وتوتر في الأخلاق، وتكسّر في العلاقات.

والدين في جوهره، لم يأتِ ليزيد الاحتكاك ولا ليحوّل الإنسان إلى آلة تُستنزف باسم التكليف؛ بل جاء ليعيد السلاسة والاتزان. هكذا علّمنا النبي ﷺ، وهكذا فهم السلف؛ فالقلب يملّ كما يملّ الجسد، ويحتاج إلى ما يروّحه ويقوّيه؛ لا إلى ما يثقله ويقهره. وكان من حكمة علي بن أبي طالب رضي الله عنه أن القلوب إذا أُنهكت، احتاجت إلى طرائف الحكمة، لا إلى مزيد من الضغط.

والمعنى هو الزيت الذي به يُحتمل الألم ويستمر السير؛ فمن عرف لماذا يعيش؛ هان عليه ما يلاقي؛ أما من ضاعت غايته، فتكسّره عند أول منعطف ولو كثرت بين يديه الأسباب. العبادة هنا ليست طقوسا معزولة؛ بل إطار معنى شامل يعيد الإنسان إلى موقعه الصحيح؛ عبدا لله، ومستخلفا في الأرض. ولهذا كان تحذير الحسن البصري رحمه الله من طول الأمل بلا وجهة؛ لأن الحياة حين تُمدّ بلا غاية؛ تتحول إلى حركة بلا ثمرة.

وليس القلق الدائم دليل حرص، بل علامة خلل داخلي واضطراب في ميزان الثقة. الطمأنينة لا تعني نهاية المشكلات؛ بل حضور الثقة في قلب العاصفة. الإيمان الصحيح يهدّئ ولا يُفزع، يُثبّت ولا يُربك. ومن فقه القيادة القلبية قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه: إن العزة حين تُطلب من غير مصدرها، تنقلب ذلا، وفي هذا تذكير بأن الاطمئنان يبدأ من الجذور لا من القشور.

والإرهاق الجسدي بوابة واسعة للغضب والانحراف؛ فمن أُنهك جسده، ضاق صدره واختل ميزانه؛ فالنوم والراحة والاعتدال ليست ترفا؛ بل واجبا شرعيت ونفسيا؛ ولذلك كان فقه الرخصة عند سفيان الثوري رحمه الله شاهدا على أن التشديد سهل، أما الحكمة فأن تأخذ من العمل ما يُبقي الإنسان إنسانا.

والصبر ليس أن تُطأطئ الرأس حتى ينكسر؛ بل قوة تحمّل ببصيرة، وثبات بلا ضجيج؛ لذلك ربط السلف الصبر بالوسطية فأحب الأمور إلى الله أوسطها. والمرونة شقيقة الصبر؛ بها ننجو من التصلّب الذي يكسر، ومن القسوة التي تُميت.

والهلاك غالبا لا يأتي من سقطة واحدة؛ بل من إهمال صغير متكرر. العادات الصالحة صمّام الأمان عندما يتعب القلب؛ لهذا كان العمل الدائم—ولو قل—أقرب إلى النجاة من الاندفاع المؤقت. فالدين بُني على الرسوخ لا على الوهج العابر.

والغضب إذا لم يُضبط؛ أفسد الدين والدنيا. والمشاعر رسائل لا أوامر؛ تُفهم ولا تُطاع طاعة عمياء. وكظم الغيظ قوة سيطرة داخلية؛ لا ضعفًا. وقد ضرب الأحنف بن قيس المثل في الحلم حتى صار عنوانا له؛ فالحِلم سياسة النفس قبل سياسة الناس.

كثير من الذنوب الاجتماعية يولد من سوء فهم؛ لا من سوء نية. حسن الخلق هو الزيت الذي تُطفأ به الفتن وتُحفظ البيوت. ووضع الحدود رحمة لا قطيعة؛ إذ لا تُدار العلاقات بلا مسافات حكيمة تمنع الاحتكاك قبل أن يصير حريقا.

والقلب لا يصدأ بضربة واحدة؛ بل بترك الجلاء وإدمان الغفلة. والضمير الحي راحة قبل أن يكون رقابة؛ ومن صدق في سريرته؛ انعكس ذلك على ملامحه وكلماته، والاستقامة هنا ليست تشددًا؛ بل حماية من الانقسام الداخلي.

والانشغال الدائم بلا وعي؛ حركة بلا وجهة. والصحة والفراغ نعمتان يُغبن فيهما كثيرون؛ ولذلك كان ندم عبد الله بن مسعود رضي الله عنه على يوم لم يزدد فيه عمله درسا في اقتصاد الوقت، لا في استنزافه.

والنجاح الذي يدمّر صاحبه فشل مؤجل؛ فالدين لا يريد إنجازا يُفني الإنسان؛ بل إنسانا يُنجز ويبقى. والإتقان لا يعني سحق النفس ولا من تحت اليد، وقد لخّص علي بن أبي طالب المعنى بقوله: لا تكن عبد غيرك وقد جعلك الله حرا.

والتوكل يحرر القلب من الهلع، والرضا يزكّي السعي ولا يلغي الجهد. والذكر حياة للقلوب لا انسحابا من الواقع؛ إذ في القلب شعث لا يلمه إلا الإقبال على الله، كما قال ابن القيم رحمه الله.

وخلاصة القول: صيانة الإنسان مقدّمة على استهلاكه. ومن جفّت زيوت حياته قسا قلبه واضطرب فعله؛ فأعيدوا الزيت إلى النفوس؛ معنى، وطمأنينة، وأخلاق، ورحمة، واتزان؛ فبالزيت تسير الآلة، وبزيوت الحياة يستقيم الإنسان.