فائزة بامطرف… رحلة عطاء لا تنتهي برحيل
في يوم الثلاثاء الموافق 13 يناير 2026م، وبينما كنت أتجول في منصات التواصل الاجتماعي، وقع بصري على خبر تمنيت ألا يكون حقيقة، حتى تأكدت من كثرة الناعين وحزن المحزونين وبكاء الباكين على رحيل هامة وقامة من القامات النسوية بمحافظة حضرموت، بل والوطن كله، إنها الأستاذة الفاضلة والأم الحنونة فائزة فرج بامطرف، التي وافتها المنية بجمهورية مصر العربية، بعد مشوار طويل زاخر بالبذل والإخلاص والعطاء في خدمة الوطن والإنسان.
رحلة نضال وعطاء ممتد
مسيرة هذه القامة الكبيرة لا يمكن اختزالها في أسطر قليلة، فسيرتها زاخرة بالعطاء والتواضع والكرم، وبالعلم والمعرفة، وبالنضال والكفاح، والعمل الإنساني والتربوي والنقابي والتنموي والوطني، تُعد الأستاذة فائزة من أبرز من نادى بحقوق المرأة وسعى لأن تكون ذات أثر في المجتمع، كما تُعد شخصية قيادية استثنائية سخرت حياتها منذ ستينات القرن الماضي وحتى وفاتها لخدمة قضايا المرأة والمجتمع.
فائزة بامطرف… صوت المرأة في المحافل الدولية
شغلت الأستاذة فائزة منصب رئيس اللجنة الوطنية للمرأة بحضرموت، ومثلت هذا القطاع في العديد من البلدان والمؤتمرات الوطنية والإقليمية والدولية، وقد مثلت اليمن في مؤتمرات منظمة التعاون الإسلامي ومنظمة المرأة العربية في القاهرة وعمان وتونس، كما اختيرت عام 2008م كـ شخصية قيادية مؤثرة ضمن خمسين شخصية في الشرق الأوسط من قبل (MEPI) لمراقبة الانتخابات الأمريكية، كما نالت عضوية المجموعة النسوية الاستشارية الفنية للمبعوث الأممي إلى اليمن.
أم المساكين ومربية الأجيال
في الجانب الإنساني، عملت الأستاذة فائزة بقلب صادق مفعم بالرحمة والرأفة تجاه المحتاجين والمتضررين، وكانت مشرفة على المبادرات النسوية لإغاثة النازحين واللاجئين والأسر الفقيرة، أما في القطاع التربوي، فقد بذلت جهداً متواصلاً متنقلة بين المدارس والثانويات كمعلمة ثم مديرة، تاركة بصمات واضحة في كل مكان عملت فيه، وقبل ذلك في قلوب طلابها وتلاميذها وكل من زاملها.
وتقديراً لجهودها العظيمة، نالت الفقيدة عدداً من الأوسمة والدروع، أبرزها:
- درع 22 مايو ووسام العيد الوطني الممنوح من رئاسة الجمهورية عام 2005م.
- درع التميز كقيادة متميزة من السلطة المحلية بحضرموت عام 2021م.
- رسالة شكر وتقدير خاصة من وزير الخارجية الدنماركي عام 2005م.
- تكريم من قبل الإدارة العامة للأمن والشرطة بساحل حضرموت.
معرفتي بالفقيدة عن قرب
ارتبطت معرفتي بالأستاذة فائزة من خلال عملي في مبادرة "ساعد للتنمية المستدامة"، حيث شاركنا معاً في اللجنة التحضيرية لمؤتمر التنمية المستدامة الأول بحضرموت "حضرموت نموذج"، وكذلك في اللجنة العلمية للمؤتمر، إضافة إلى الاجتماعات والزيارات التي عقدتها المبادرة مع القيادات البارزة في المحافظة، ورغم كبر سنها وعلو مقامها، كانت مثالاً للتواضع والتحفيز، تسهم في دعم الشباب وتحقيق طموحاتهم ورؤاهم، ولا تبخل بجهد أو علم على أي محتاج، لقد كانت بحق معلمة ومرشدة ومربية، وقدوة يُحتذى بها في العطاء والإنسانية.
ذكرياتي الأخيرة مع الفقيدة
كان آخر لقاء لي مع الأستاذة فائزة قبل عام، خلال إحدى الفعاليات المجتمعية لمناهضة العنف ضد المرأة بحديقة قصر السلطان القعيطي، وفي ذلك اللقاء، ورغم مرور أعوام منذ آخر لقاء لنا في مبادرة "ساعد"، بادرت بالسؤال عن حالي وغيابي، وأخذت تطمئن على دراستي وعملي، وتعرض مساعدتها إن احتجت شيئاً، وأخبرتني أنها كانت دائماً تسأل عني وعن أخباري، معبّرة عن فرحتها الكبيرة بلقائنا في ذلك اليوم، لقد كان لقاءً قصيراً في الزمن، لكنه عميق الأثر في الذاكرة، يختصر إنسانيتها وحرصها الدائم على من حولها.
كلمة أخيرة
إن وفاة الأستاذة فائزة فرج بامطرف خسارة كبيرة على حضرموت والوطن عامة، فقد فقدنا هامة وقامة ومرجعية ورمزاً من رموز الوطن، وإن كان رحيلها مؤلماً ومحزناً، فإن عطاياها وآثارها وجهودها ستظل باقية ومستمرة بفضل كل المخلصين والمحبين لها. نسأل الله أن يتغمدها بواسع رحمته، ويسكنها فسيح جناته، ويجزيها خير الجزاء على ما قدمت من أعمال جليلة في خدمة الإنسان والوطن.


