عدن هي العاصمة الدائمة

في لحظات التحول الكبرى، لا تُقاس العواصم بموقعها الجغرافي فقط، بل بقدرتها على حمل معنى الدولة، واحتضان فكرة الوطن، وصناعة الاستقرار. ومن هنا، تبرز عدن لا كمدينة عادية، بل كفكرة سياسية وتاريخية واقتصادية متجذرة في وعي المنطقة، وحاضرة بقوة في كل نقاش جاد حول مستقبل الجنوب واليمن عموماً.

عدن لم تكن يوماً مدينة هامشية، بل كانت القلب النابض للدولة، وميناء العالم المفتوح، وبوابة السياسة والاقتصاد والثقافة. وحين نتحدث عن “العاصمة”، فإننا لا نتحدث عن مبانٍ حكومية فحسب، بل عن منظومة دولة متكاملة: اقتصاد نشط، مؤسسات فاعلة، أمن مستقر، وعلاقة متوازنة مع العالم.

عدن والجنوب: عاصمة الدولة المنشودة

في سياق النقاش الجنوبي، تظل عدن حجر الزاوية في أي تصور سياسي قادم. فإذا كان خيار استعادة الدولة الجنوبية حاضراً في وجدان الشعب، فإن عدن تفرض نفسها عاصمة طبيعية، ليس بالعاطفة، بل بالمنطق السياسي والتاريخي.

عدن هي المدينة التي تملك مقومات الدولة: الميناء، الموقع الاستراتيجي، الإرث الإداري، والتنوع الاجتماعي الذي يصنع الاستقرار لا الصراع.
الدولة لا تُبنى من الأطراف، بل من مركز قادر على إدارة الاقتصاد وفرض النظام وحماية السيادة. وعدن، بتاريخها وتجربتها، كانت ولا تزال الأقدر على لعب هذا الدور.

عدن في خيار اليمن الاتحادي

وحتى في حال اختيار نموذج اليمن الاتحادي، فإن السؤال الجوهري يبقى: أي مدينة تصلح أن تكون عاصمة دولة اتحادية؟

التاريخ هنا ليس شاهداً محايداً، بل دليلاً واضحاً. أول دولة يمنية معترف بها سياسياً وإدارياً اتخذت من عدن عاصمة لها، لأنها المدينة التي تواصلت مع العالم، وأدارت التجارة، واستوعبت التعدد.
أما صنعاء، فرغم مكانتها التاريخية والرمزية، إلا أن التجربة أثبتت أن موقعها الجغرافي وطبيعة إدارتها السياسية لم ينجحا في جعلها عاصمة جامعة أو مستقرة. العواصم لا تُختار بالرمزية وحدها، بل بالكفاءة والقدرة على الاستمرار.

عدن: عاصمة الاقتصاد والدولة والاستقرار

عدن ليست مجرد خيار سياسي، بل ضرورة اقتصادية. فالدولة التي لا تمتلك عاصمة اقتصادية فاعلة، تظل دولة هشة مهما امتلكت من شعارات.
عدن قادرة على أن تكون مركز المال، وميناء التجارة، وعقدة الربط بين الداخل والخارج. وحين تستقر عدن، يستقر معها الوطن كله.

خلاصة المشهد

سواء كان المستقبل دولة جنوبية مستقلة أو يمناً اتحادياً، فإن الحقيقة التي يصعب تجاوزها هي أن عدن هي العاصمة المنطقية، والتاريخية، والعملية.
هي المدينة التي كلما أُبعدت عن دورها الطبيعي، دخلت البلاد في دوامة أزمات، وكلما عادت إلى موقعها، لاحت ملامح الدولة.
فالعواصم لا تُفرض بالقوة، بل تُختار بحكمة…
وعدن، بكل ما فيها، تقول بثبات: هنا يجب أن تكون العاصمة.