الجدية وبناء الثقة.. مدخل حوار ترتيب البيت اليمني

بعد الإعلان الدراماتيكي عن خروج الإمارات من اليمن، والدخول في مسار التحضير لحوار جنوبي شامل يُمهِّد لحوار يمني جامع يعالج مختلف الاستحقاقات الوطنية، تبدو البلاد وكأنها تقف عند عتبة مرحلة مختلفة عمّا اعتاده اليمنيون خلال سنوات الصراع؛ مرحلة لا يُراد لها أن تبدأ بالشعارات، بل بمحاولات جادة لترميم فكرة الدولة، وبناء حدٍّ أدنى من الثقة، قبل الجلوس إلى طاولة السياسة.

في مقالاتنا السابقة، من بينها «تساؤلات حول إدارة الدولة بعد قرار الانسحاب» و«هل ستتفادى اليمن فيضانات ما بعد ذوبان الجليد السياسي؟»، جرى التنبيه إلى أن أخطر ما قد يواجه اليمن ليس الخلاف السياسي بحد ذاته، بل الفراغ المؤسسي والفوضى التي قد تعقب أي تحولات كبرى إذا لم تُدار بعقل الدولة. واليوم، ومع بروز تحركات ملموسة على الأرض، يمكن القول إن ثمة مؤشرات إيجابية بدأت تتشكل، وتلامس – ولو جزئيًا – طموحات المواطن المنهك من الانقسام والحرب.

أولى هذه المؤشرات تتجلى في إعادة هيكلة القوات المسلحة والأمن، والسعي الجاد لاستيعاب مختلف التشكيلات تحت مظلتي وزارتي الدفاع والداخلية. هذه الخطوة، إن كُتب لها الاستمرار بعيدًا عن الحسابات الضيقة، تمثل حجر الزاوية في استعادة هيبة الدولة، وإنهاء حالة «تعدد الجيوش» التي أرهقت البلاد أمنيًا وماليًا، وأضعفت ثقة المواطن بالمؤسسة العسكرية. ولا يقل أهمية عن ذلك توحيد الخطاب السياسي والإعلامي، بما يخفف من مناخ التحريض والتخوين، ويُمهِّد لبيئة حوار أقل توترًا وأكثر عقلانية.

أما على المستوى المالي والاقتصادي، فقد برزت مظاهر حزم غير مسبوقة في توريد موارد الدولة إلى البنك المركزي، والوقوف بوضوح ضد مظاهر العبث والجبايات غير القانونية التي تحولت خلال سنوات الحرب إلى أحد أبرز أوجه الإفقار المنظم للمواطن. هذه الإجراءات، وإن بدت تقنية في ظاهرها، إلا أن أثرها السياسي عميق؛ لأنها تعيد الاعتبار لمفهوم المال العام، وتربط بين السلطة والمسؤولية، وتؤسس لثقة ضرورية لا غنى عنها قبل أي حوار وطني.

وفي الجانب الأمني والخدمي، بدأت تتضح ملامح استعادة الانضباط العام، بدءًا من مواجهة الاختلالات الأمنية، ومرورًا بتنظيم الحركة المرورية وتحديث الإشارات، وصولًا إلى إعادة تشغيل المطارات وتطبيع الحياة في عدد من المدن. قد تبدو هذه التفاصيل صغيرة في سياق حرب طويلة، لكنها في وعي المواطن تمثل الفرق بين دولة تحاول النهوض، وسلطة تعايشت مع الفوضى.

تكمن أهمية هذه التحولات في أنها تأتي قبل الحوار لا بعده؛ فالتجارب اليمنية، ومعها تجارب المنطقة، أثبتت أن الحوارات التي تُعقد في ظل فوضى السلاح وتفكك المؤسسات غالبًا ما تتحول إلى ساحات لتكريس موازين القوة، لا لمعالجة جذور الأزمات. ومن هنا، فإن تهيئة الأرضية عبر إجراءات عملية تعيد الاعتبار لمفهوم الدولة، تمنح الحوار الجنوبي المرتقب فرصة حقيقية لأن يكون حوارًا حول الحقوق والمظالم والحلول، لا حول النفوذ والغلبة.
أما الحوار الجنوبي الشامل ذاته، فتنبع أهميته من كونه اعترافًا صريحًا بأن القضية الجنوبية ليست ملفًا هامشيًا أو مؤجلًا، بل جوهر الاستقرار اليمني. غير أن نجاح هذا الحوار يظل مرهونًا بقدرته على استيعاب التنوع الجنوبي، والإنصات لمختلف الأصوات، ومعالجة المظالم التاريخية ضمن إطار وطني عادل، بعيدًا عن الإقصاء أو الوصاية أو إعادة إنتاج المشاريع الفاشلة.

باختصار، ما نشهده اليوم ليس نهاية للأزمة اليمنية، لكنه قد يكون بداية مسار مختلف إذا ما أُحسن استثماره؛ مسار تُقدَّم فيه الدولة على الجماعة، والمؤسسة على الولاء، والمصلحة العامة على الحسابات الضيقة. وهي شروط لا غنى عنها لأي حوار يُراد له أن يكون بوابة للخلاص، لا محطة عابرة في مسلسل الأزمات.