أعضاء حكومة الزنداني
مع قبول مجلس القيادة الرئاسي استقالة حكومة بن بريك وتكليف الزنداني بتشكيل حكومة جديدة، عادت إلى الواجهة أسئلة جوهرية لا تتعلق بالأسماء بقدر ما تتعلق بالقدرة: كيف يمكن لحكومة أن تعمل في بلدٍ منهك، اقتصاده على حافة الإفلاس، وخدماته في حالة تآكل، وثقته السياسية شبه منعدمة؟ هل معيار النجاح هو عدد الوزراء وتوازناتهم، أم وضوح الرؤية وجرأة القرار؟ وهل يكفي تغيير الوجوه إذا بقيت الأدوات ذاتها، والعقليات ذاتها، والملفات المؤجلة ذاتها؟
الحكومة القادمة لا تبدأ من نقطة صفر، بل من ركام أزمات متراكمة: ضغط معيشي خانق، مؤسسات مترهلة، موارد معطلة، وفرص مهدورة. لذلك فهي حكومة مطالَبة منذ أيامها الأولى بتقديم إجابات عملية، لا خطابات، وقرارات قابلة للقياس، لا وعود عامة. ما يلي تشخيص مباشر لملفات الوزارات كما هي في الواقع، لا كما ينبغي أن تكون في البيانات.
المالية:
الوضع المالي لا يحتمل إدارة تقليدية ولا لغة تطمين. الخزينة شبه فارغة، العملة فقدت كثيرًا من ثقتها، والرواتب تلتهم أغلب الموارد المتاحة. المشكلة لا تكمن فقط في شح الإيرادات، بل في سوء إدارتها. ترهل الجهاز الوظيفي، والتعاقدات الارضائية، وكشوفات الاعاشة الدولارية، والازدواج الوظيفي داخل أكثر من مؤسسة، كلها تستنزف المالية العامة دون مقابل إنتاجي. المطلوب مقاربة صريحة تعترف بحجم العبء، وتبدأ بإعادة ترتيب الإنفاق، وضبط كتلة الأجور، وربط أي التزام مالي بالإنتاج والكفاءة، لا بالمجاملة.
الدفاع:
مئات الآلاف من الجنود على كشوفات الرواتب، في ظل غياب هيكل واضح وعقيدة وطنية جامعة. الجيش، بهذا الشكل، يتحول من عنصر حماية إلى عبء اقتصادي ثقيل. التحدي الحقيقي ليس في زيادة الإنفاق العسكري، بل في إعادة تنظيمه: دمج، إعادة توزيع، وتوجيه جزء من هذه القوة البشرية إلى أدوار اقتصادية وتنموية، بحيث يصبح الجيش مساهمًا في الاستقرار لا مستنزفًا لموارد الدولة.
الداخلية:
تعدد الأجهزة الأمنية، وتداخل الصلاحيات، وغياب المساءلة، جعل الأمن عبئًا نفسيًا على المواطن بدل أن يكون مصدر طمأنينة. المطلوب إعادة بناء منظومة أمنية مدنية، يكون فيها القانون مرجعية، لا النفوذ، ويُحاسَب فيها المسيء قبل أن يُكافأ المطيع.
الكهرباء:
الكهرباء هي أكثر الملفات التصاقًا بحياة الناس. الانقطاعات الطويلة، وكلفة الوقود، والحلول المؤقتة، كلها جعلت هذا القطاع رمزًا للعجز. إلى جانب إدارة التوليد، هناك فرصة حقيقية لتخفيف الضغط عبر دعم الطاقة البديلة، من خلال خفض أو رفع الجمارك عنها، وتشجيع انتشارها، بما يقلل الأحمال على الشبكات ويخفف العبء المالي على الدولة والمواطن معًا.
النفط والمعادن:
هذا القطاع يمثل المورد السيادي الأهم، لكنه محاط بالغموض. تهريب النفط، انتشار المصافي التقليدية، تجميد منشآت استراتيجية مثل ميناء بلحاف الغازي، وعدم استغلال الغاز حتى لتغطية السوق المحلي، كلها خسائر مباشرة. تصحيح هذا المسار يبدأ بمواجهة الفساد في العقود، تشغيل المصافي القائمة، وبناء مصافٍ جديدة في مناطق الإنتاج، وربط الثروة النفطية بتحسين معيشة الناس لا بتقارير غير منشورة.
الخدمة المدنية:
الدولة تعاني من جهاز إداري متضخم، أعداد هائلة بلا كفاءة، ووظائف وُزعت بالمجاملة لا بالحاجة. هذه أزمة التعاقدات الارضائية بامتياز. الإصلاح هنا ليس ترفًا، بل شرط بقاء: توصيف وظيفي، تقييم أداء، وربط الأجر بالإنتاج، مهما كانت الكلفة السياسية لذلك.
التربية والتعليم:
انهيار التعليم انعكاس مباشر لانهيار وضع المعلم. الإضرابات ليست تمردًا، بل نتيجة طبيعية لراتب لا يكفي، وبيئة لا تحترم. إلى جانب معالجة الأجور، هناك فرصة لتحويل المدارس إلى مساحات إنتاج: مشاتل، ورش بسيطة، فرق طوعية، تغرس في الطلاب ثقافة العمل والانتماء بدل ثقافة الانتظار والاستهلاك والاتكالية.
التعليم العالي:
الجامعات تعاني من فقر التمويل، وهجرة الكفاءات، وبحث علمي غير مرتبط بالتنمية. المطلوب ربط البحث العلمي باحتياجات الزراعة، والطاقة، والصناعة، وحماية ما تبقى من الكادر الأكاديمي بوصفه استثمارًا وطنيًا لا عبئًا ماليًا.
الصحة:
القطاع الصحي يقترب من حدوده القصوى. نقص التجهيزات، إرهاق الكوادر، وغياب التأمين، جعل المرض معاناة شخصية. أي إصلاح جاد يبدأ بحماية الكادر الصحي، وضمان الحد الأدنى من الخدمات، قبل أي توسع شكلي.
الشؤون الاجتماعية:
اتساع رقعة الفقر لم يعد استثناءً. شبكات الأمان ضعيفة، والمعالجات مؤقتة. المطلوب إدارة الفقر بواقعية، وربطه ببرامج إنتاج صغيرة، لا الاكتفاء بالدعم النقدي الذي يستهلك دون أثر مستدام.
النقل والأشغال:
الطرق المتهالكة، وتعطل الموانئ، وضعف كفاءة المطارات، ووالنضافة ومعالجة التشوية البصري البيئي، كلها تعرقل الاقتصاد. الاستثمار في البنية التحتية ليس خدمة فقط، بل شرط لتحريك التجارة والسياحة.
الإعلام:
غياب خطاب حكومي صادق ترك الساحة للشائعات. المطلوب إعلام يعترف بالقصور، ويشرح الخيارات، بدل الاكتفاء بالتبرير أو الترويج.
العدل:
بطء القضاء وتآكل هيبته جعلا العدالة بعيدة عن الناس. استقلال القضاء، وتفعيل المحاسبة، أساس أي استقرار حقيقي.
الأوقاف والإرشاد:
الأوقاف تملك أصولًا عقارية ضخمة غير مستثمرة. إدارتها بعقلية اقتصادية شفافة يمكن أن يفتح موردًا داعمًا للتعليم والصحة، ويعيد للدين دوره الأخلاقي بعيدًا عن التوظيف السياسي.
الثقافة:
الثقافة ليست ترفًا في زمن الأزمات. هي حماية للوعي من الانكسار، وبناء للانتماء الوطني في مواجهة التفكك.
السياحة:
اليمن يمتلك تنوعًا طبيعيًا ومناخيًا فريدًا. الاستثمار في السياحة البيئية والثقافية، ولو على نطاق محدود، يمكن أن يفتح نافذة اقتصادية مستقبلية.
الزراعة والري:
الأمن الغذائي ملف مؤجل منذ سنوات. بناء السدود الصغيرة، تقليل الهدر المائي، واستصلاح الأراضي، خطوات ممكنة لتقليل الاستيراد ودعم الريف.
المياه والبيئة:
شح المياه خطر حقيقي. إدارة هذا الملف باعتباره قضية أمن وطني لم تعد خيارًا.
التخطيط والتعاون الدولي:
كثرة الخطط وقلة التنفيذ أضعفت الثقة. الدعم الخارجي يجب أن يتحول إلى مشاريع قابلة للقياس، لا تقارير دورية.
الاقتصاد والصناعة:
القطاع الخاص يعمل في بيئة طاردة. تحفيز الإنتاج، ودعم المبادرات، وترسيخ ثقافة الابتكار بدل الاستهلاك، هو الطريق الوحيد للخروج من الحلقة المفرغة.
خلاصة القول هذه الحكومة لا تواجه أزمة وزارة، بل أزمة دولة. من يدخلها بعقلية المنصب سيغادر سريعًا، ومن يدخلها بعقلية إدارة الانهيار قد يفتح نافذة أمل. المطلوب ليس معجزات، بل صدق، كفاءة، وشجاعة في استثمار الفرص قبل أن تضيع كما ضاعت سابقاتها.


