الحرب… والجولة الأخيرة 

عشر سنوات من الحرب ليست رقمًا عابرًا في ذاكرة الشعوب، بل جرح مفتوح، وكتاب ثقيل كُتب بالدم والجوع والخذلان. عشر سنوات دفع فيها الشعب اليمني الثمن كاملًا، دون خصومات ولا شركاء، بينما كانت المشاريع تتصارع، والشعارات تتزاحم، والخراب وحده هو المنتصر المؤقت.
اليوم، ونحن نقترب من الأيام الأخيرة في هذه الحرب الطويلة، تتضح الصورة أكثر من أي وقت مضى. ولم يعد الغموض سيد الموقف، ولم تعد الأكاذيب قادرة على الصمود. الترتيبات تمضي، والمؤشرات تتكلم، والواقع يقول كلمته بلا خطابات:
اليمن يتجه نحو نهاية الحرب، لا نحو جولة عبث جديدة.
لنكن واضحين:
الحرب القادمة – إن حدثت – لن تكون حرب وطن، بل حرب مشروع. حرب يفرضها من يرفض السلام لأنه لا يعيش إلا في الفوضى، ولا يتغذى إلا على الدم. وحتى إن أصر هذا المشروع على الرفض ، فإن انهياره من الداخل بات مسألة وقت، فالجبهات لا تُهزم فقط بالسلاح، بل حين تفقد مبررها، وحين ينكشف زيف خطابها أمام الناس.
عشر سنوات كانت كافية وزياده.
كافية ليعرف الشعب من يعمل للوطن ومن يتاجر به.
كافية لتمييز من بنى مدرسة ومن الذي بنى متراسًا، ومن شق طريقًا ومن الذي شق الصف، ومن أسس مستشفى ومن الذي أسس مقبرة جماعية.

خلال الحرب، لم يكن هناك مشروع واحد، بل مشاريع متعددة، وكل مشروع أُعطي الوقت الكافي ليُظهر ما في جعبته. والنتيجة واحدة في نظر الناس: من قدم عكس شعاراته سقط وسوف يسقط، ومن خدم الناس صمد. والشعارات البراقة لم تطعم جائعًا، ولم تعالج مريضًا، ولم تعلم طفلًا. والواقع وحده كان الحكم، والناس لم تعد تُخدع مرتين كما قال الرسول لايلدغ المؤمن من جحره مرتين.
كل مشروع، شمالًا كان أو جنوبًا أو شرقًا . عليه أن يقف اليوم أمام مرآة الحقيقة، ويسأل نفسه سؤالًا واحدًا لا يقبل المراوغة:ماذا قدمتُ للوطن؟ وماذا أنجزتُ للمواطن؟
نعم لم يعد هناك متسع للشعارات، ولا مكان للاختباء خلف العناوين البراقة.

الزمن كفيل بكشف الزيف وقد كشف، واليوم جاء وقت الحساب.
على كل مشروع أن يستعد بالإجابة أمام الشعب، فالشعب الذي صبر طويلًا لن يصبر أكثر، والذي صمت كثيرًا لن يسكت بعد اليوم.
من خذل الوطن ستلاحقه لعنة الناس قبل لعنة التاريخ،ومن تاجر بآلام اليمنيين سيسقط،لأن الشعب قد حسم أمره: لا قبول بعد اليوم لمن لم يقدم شيئًا سوى الخراب.

اليوم، الخير قادم لليمن شرقًا وغربًا، شمالًا وجنوبًا، لا بوهم المعجزات، بل بدرس الحرب القاسي الذي تعلمه الجميع. تعلمنا أن الوطن لا يُدار بالصراخ، ولا يُبنى بالخطابات، ولا يُحكم بالقوة العمياء. 

والأيام القادمة كفيلة بأن تقول ما عجزت عنه كل البيانات.
هذه ليست نشوة انتصار، ولا رومانسية نهاية حرب، بل حقيقة مرحلة: اليمن خرج من زمن الشعارات ودخل زمن الحساب.والشعب لن ينسى.