من لقي صاحبة حنجله

بقلم: سناءـ العطوي

في الجنوب، لا تمشي الأحداث بخط مستقيم، ولا تُقرأ الوقائع بسطحية، وكل خطوة فيه لها ثمن، وكل كلمة تُقال باسمه تُحاسَب، لأن هذه الأرض تعلّمت عبر عقود طويلة أن تميّز بين من يمرّ بها عابرًا، ومن يحاول أن يقتلعها من جذورها.
 من لقي صاحبة حنجله، لا بد أن يتوقف قليلًا، إما ليلتقط أنفاسه بصدق، أو ليسقط لأنه ظن الطريق سهلة.
الجنوب اليوم ليس كما يُراد له أن يبدو في نشرات الأخبار. 
خلف المشهد المزدحم بالتصريحات والبيانات، هناك واقع أثقل من أن يُختصر في عنوان. واقع يعيشه الناس في تفاصيلهم اليومية: في طوابير الغاز، في عملة تتآكل، وفي راتب إن جاء لا يكفي نصف شهر. 
هذه ليست أرقامًا في تقارير، بل حياة تُستنزف ببطء.
السياسة في الجنوب لم تعد صراع رؤى بقدر ما صارت صراع إدارة أزمات.

 كل طرف يُجيد إطالة المشهد، لأن الزمن هنا صار أداة ضغط لا وسيلة حل. 
تُصنع الأزمات، أو تُترك تتضخم، ثم يُقدَّم “الإصلاح” على هيئة مسكّن مؤقت، لا علاج حقيقي.
 وفي كل مرة، يُطلب من المواطن الصبر، وكأن الصبر مورد لا ينفد.
الأخطر من ذلك أن الجنوب تحوّل إلى ساحة تبرير. تبرير الف
شل باسم “المرحلة”، وتبرير العجز باسم “الظروف”، وتبرير التناقضات باسم “السياسة”. 

لكن الناس لم تعد كما كانت. الوعي يتشكل ببطء، نعم، لكنه يتصلّب... لم يعد الشعار كافيًا، ولا الخطاب الحماسي يُقنع، ولا استدعاء الماضي يبرر حاضرًا مرتبكًا.
كثيرون تحدثوا باسم الجنوب، وقليلون فهموه، بعضهم ظن أن القضية منصة صعود، لا أمانة.
 وبعضهم تعامل مع الجنوب كغنيمة مؤقتة، لا كمسؤولية تاريخية. 

هؤلاء حاولوا تجاوزها بالقوة، فتعثروا. لأن هذه الأرض لا تُدار بالاستعلاء، ولا تُسكت بالوعود.
الجنوب لا يرفض الشراكة، لكنه يرفض الوصاية، لا يرفض الدعم، لكنه يرفض أن يكون ورقة تفاوض...
هو يطلب وضوحًا: وضوح موقف، ووضوح مشروع، ووضوح مستقبل. أما العيش في المنطقة الرمادية، فهو أكثر ما أرهق الناس، وأكثر ما أفقدهم الثقة.
ورغم كل هذا الثقل، لا يزال في الجنوب ما يستحق الأمل.
 في الشارع وعيٌ يتكوّن، وفي الناس ذاكرة لا تُمحى.
 يعرفون من وقف معهم حين اشتدت الأيام، ومن اختفى، ومن بدّل مواقفه مع تغيّر الرياح.

 يعرفون أن الكرامة لا تُمنح، بل تنتزع، وأن الحقوق لا تأتي من خطابات، بل من إرادة صلبة.

من لقي صاحبة حنجله، إن جاء صادقًا، سيتعلّم أن يمشي معها لا فوقها، وأن يحمل ثقلها لا أن يرميه على غيره.
 أما من جاء باحثًا عن مجد سريع، فستُذكّره الأرض أن الجنوب لا يُجامل، ولا ينسى، ولا يغفر لمن ظن أن الحنجلة حجر صغير يمكن تجاوزه.

       گ : سناءـ العطوي