أنت الإمام

بقلم: حسين السليماني الحنشي.

المكان، بيت الله الحرام. الرحلة كانت على متن "براق مخصص ممن خلق الأرض والسماء" إلى بيت المقدس، حيث توقف البراق عند حائط البراق، ومن هناك كان الأنبياء والمرسلون منتظرين لتتويج الإمامة لمحمد بن عبد الله، الزعامة تنتقل، والأرض تتغير، والنبي جديد وهو خاتم المرسلين. 

في مفاجأة مذهلة، قيل لمحمد صلى الله عليه وسلم: تقدم إلى المحراب لتكون إمام الأنبياء والمرسلين، فقد رفع الله مقامك! فصلى الجميع خلف رسول الله، ثم عاد الأنبياء كل إلى مكانه. 

بعد ذلك، أخذ جبريل الرسول وانطلق إلى الأفق البعيد نحو عالم السماء، هنا آيات فيها ما يعجز اللسان عن التعبير عنها. حيث مستوى حجم فهم الإنسان وتعظيمه للمسافة بين بيت المقدس ومكة المكرمة، لهي معجزة في ليلة واحدة. 

والأعظم من ذلك كيف استطاع العروج إلى السماوات والتي تمثل بعلوم الفضاء مليارات من السنوات الضوئية إذا لم تكن ترليونات السنوات الضوئية. 

والأرض قطرة في بحر مجرة درب التبانة، وهذه المجرة قطرة في محيط من المجرات في السماء الدنيا التي يعجز علم البشر عن معرفتها، ليس هذا فحسب بل هناك سبع سماوات غيرها. يحتاج الإنسان لهذه الرحلة عشرات التريليونات من السنوات الضوئية للوصول إليها. 

فحقاً حينما قال الله تعالى في كتابه "سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى لنريه من آياتنا إنه هو السميع البصير" كل تلك المسافات في ليلة، ثم العودة بعدها إلى بيته وهو بصحة وعافية وشرح كل التفاصيل التي يمكن أن يعيها عقل الإنسان. نعم، كل تلك المعجزات تجعلك يا محمد، أمام البشرية جمعاء؛ لأنها آيات لم يصل أحد من قبله. صلى الله عليه وسلم. حيث فتحت أبواب السماء لأكرم خلق الله. فتساءل من في كل سماء: من معك يا جبريل؟ فقال: معي محمد خاتم الأنبياء والمرسلين. ففتحت له أبواب السماء، وفي كل سماء كان يجد آية من آيات الله. 

ومن المبشرات لأمته كانت التحية له ولأمته: "أبلغ أمتك مني السلام" ثم استمرت الرحلة إلى السماوات العلا حتى وصلوا إلى سدرة المنتهى، حيث جنة المأوى. تقدم محمد ولم يتقدم معه جبريل، هنا مقام لا يصل إليه إلا أكرم خلق الله.
هنا الوضع مختلف، هنا من جعل الله له مقاماً ليس لأحد غيره، هنا محمد بن عبد الله! صلى الله عليه وسلم.  
فكل ما تقدم يفتح له من الأبواب هو فقط صلى الله عليه وسلم، ومن تجاوز هذا المقام غيره احترق. يتخطى صلوات الله وسلامه عليه بحار الأسوار، وعلمه الله ما فيها من أسرار. سمع صلى الله عليه وسلم في تلك الأماكن صرير الأقلام وهي تقدر الأرزاق بما يأمرها الله جل جلاله. يرفع الله قدر من يحبه سبحانه من بين خلقه.  
وكتبت الصلاة في تلك الرحلة العظيمة، فصارت من أعظم العبادات عند الله، وكتبت برقم خمسين صلاة في اليوم والليلة، ثم خُففت إلى خمس صلوات.  
هناك كانت التحيات لله، من رسوله، ورددها المؤمنون من بعده، وكانت الشهادتان التي قامت عليها أمور الدين والدنيا.  
إنها رحلة جعلت من الكفار معاندين جاحدين، كما كان من قبلهم. فلم توقظ قلوبهم تلك الآيات المبهرة بل زادتهم بعداً وشقاء، لكن نال بها المؤمنون درجة الصديقين، وكانت علامة فارقة في مجرى الحياة.