علي سالم البيض… ثائرا خذلته السياسة

تظل الكتابة عن ثائرٍ وطنيٍ بحجم المناضل علي سالم البيض، نوعا من المغامرة المستحبة لصاحبها. 
ويظل الراحل الوطني الكبير رحمة الله عليه، واحد من أولئك الذين لم يمروا في تاريخ اليمن مرور العابرين، بل اقتحموا المشهد كحالة استثنائية، عصية على الترويض، ومفتوحة على التناقض.

اندفع البيض نحو الوحدة لا كصفقة سياسية، بل كـ هدف سامٍ للثورة والشعب، مؤمنا بأن اللحظة التاريخية لا تنتظر المترددين. لم يكن مشروع الوحدة لديه تكتيكا مرحليا، بل قفزة جريئة خارج الحسابات الضيقة، حتى وإن خالفت منطق السياسة الباردة. في ذلك الاندفاع، كان البيض ثائرا أكثر منه رجل دولة، وحالما أكثر منه إداريا.

داخل الحزب الاشتراكي، حيث الصرامة الحديدية والانضباط العقائدي، ظهر البيض كاستثناء. نرجسية القيادة لديه لم تكن نزوة شخصية بقدر ما كانت تعبيرا عن إيمان عميق بذاته، ورغبة جامحة في كسر القوالب الجاهزة. أحب أن يختلف، وأن يصدم، وأن يفتح الأبواب المغلق إن كلفه ذلك صداما مع رفاق الأمس وقواعد الحزب التي لا ترحم الخارجين عن النص.

كسر البيض قواعد السياسة كما كسر قواعد الحزب، فدفع ثمن ذلك عزلةً سياسية طويلة، وقراءات متناقضة لمسيرته: بين من رآه مهندسا للحلم الوطني الكبير، ومن حمله أوزار تعثره. لكنه، في كل الأحوال، بقي اسما لا يمكن شطبه من معادلة التاريخ، لأن الأوطان لا تبنى فقط بالحكمة، بل أحيانا بالاندفاع الخطر.
و عكس خطاب الدولة الرسمي، إدراكا متأخرا لقيمة الرموز الوطنية. 

نعي رئاسة مجلس القيادة الرئاسي لمسيرة الرجل، وتوجيهات فخامة الرئيس الدكتور رشاد محمد العليمي بضرورة احترام وصية القائد الوطني، بما فيها التأكيد على احتضان تراب الوطن له، ليست مجرد إجراء بروتوكولي، بل إشارة سياسية إلى المصالحة مع التاريخ، مهما كان مثقلا بالخلافات.
علي سالم البيض لم يكن زعيما تقليديا، ولم يطلب يوما أن يكون كذلك. كان حالة، والحالات لا تقاس بمنطق الربح والخسارة، بل بقدرتها على إرباك السائد، وفتح الأسئلة الكبرى. 

قد يختلف اليمنيون حوله، لكنهم لا يستطيعون تجاهله، لأن من يضع الوطن في قلب المغامرة، يظل جزءا من ذاكرته، مهما طال الزمن.
هذا ليس رثاء جسد، بل رثاء مرحلة، وفكرة، وثائر آمن بأن الوحدة تستحق المجازفة… حتى لو خذلته السياسة.