الموظفون المدنيون… مظلومية صامتة في دولة غير عادلة

يشكل الموظفون المدنيون ما يقارب ثلثي موظفي الدولة، ومع ذلك فهم الفئة الأكثر تهميشًا وظلمًا، حيث تصرف لهم رواتب متدنية لا تكفي لإعالة أسرهم لأيام معدودة، في مشهد صادم يكشف حجم الاختلال في منظومة العدالة الوظيفية داخل مؤسسات الدولة.

أي عدالة هذه التي تجعل معلمًا جامعيًا، أفنى عمره في خدمة الأجيال، لا يتقاضى سوى سبعين ألف ريال يمني، وهو رب أسرة مكونة من سبعة أطفال، في حين يتقاضى جندي في عمر أبنائه أكثر من نصف مليون ريال يمني شهريًا مع الصرفات؟

وأي منطق يقبل أن يتأخر راتب هذا المعلم أشهرًا طويلة، بينما تتكدس الأسعار وتتصاعد متطلبات الحياة بلا رحمة!؟

وما هو أشد إيلامًا أن موظفًا مدنيًا في أحد مرافق الدولة لا يتجاوز راتبه 46 ألف ريال يمني، مبلغ لا يكفيه وأسرته لأربعة أيام فقط، فيجبر على العمل بائعًا للمياه في الشوارع وتحت لهيب الشمس، لا ترفًا ولا اختيارًا، بل هروبًا من الجوع والإذلال.

الأدهى من ذلك، أن وكيل محافظة — وهو منصب قيادي وإداري رفيع — لا يتجاوز راتبه 110 آلاف ريال يمني، بينما يتقاضى أفراد في تشكيلات عسكرية مختلفة ما يقارب نصف مليون ريال يمني شهريًا، فهل بات الانتماء العسكري هو المعيار الوحيد للعيش الكريم!؟

وهل تحولت الدولة إلى كيان يكافئ فئة ويعاقب أخرى رغم وحدة الواجب والمسؤولية؟

إن استمرار هذا التمييز الصارخ بين موظفي الدولة يهدد السلم الاجتماعي، ويقوض الثقة في مؤسساتها، ويدفع الكفاءات المدنية إلى الهجرة أو الانكسار أو التسول الوظيفي خارج إطار الدولة.

ومن هذا المنطلق، نوجه نداءً صريحًا وواضحًا إلى المملكة العربية السعودية، بصفتها الداعم الرئيسي للاستقرار، أن تتدخل بشكل عاجل لإنصاف الموظفين المدنيين، وصرف راتب لا يقل عن ألف ريال سعودي شهريًا لهم، أسوة بالعسكريين، كحد أدنى للعيش الكريم، ووقف هذا الظلم المزمن الذي لم يعد مقبولًا ولا قابلًا للصمت.

إنصاف الموظف المدني ليس مطلبًا فئويًا، بل ضرورة وطنية، وأي تجاهل لهذه القضية هو مشاركة غير مباشرة في صناعة الفقر والانهيار.