أهمية الحوار الجنوبي - الجنوبي في هذه المرحلة المفصلية

تأتي أهمية الحوار الجنوبي - الجنوبي، الذي تستضيفه مدينة الرياض خلال الأيام القادمة، في كونه يمثل فرصة تاريخية نادرة أمام الجنوبيين للجلوس على طاولة واحدة، ومناقشة قضاياهم المصيرية بروح المسؤولية الوطنية، بعيدًا عن الإقصاء والتخوين والمصالح الضيقة. فهذه اللحظة الفارقة تتطلب شجاعة سياسية وإرادة صادقة لتغليب مصلحة الجنوب العليا على أي اعتبارات شخصية أو فئوية.

إن الجنوبيين اليوم يقفون أمام منعطف تاريخي حاسم، إما أن يستثمروا هذا الحوار في معالجة جذور الخلافات الداخلية، وتوحيد الصف الجنوبي حول رؤية واضحة لقضيتهم العادلة، أو أن يتركوا الباب مفتوحًا لمزيد من الانقسامات والصراعات التي لم تجلب للجنوب سوى الدمار وتعطيل التنمية، وإهدار طاقات الأجيال منذ مرحلة ما بعد الاستقلال وحتى يومنا هذا. فالتجارب السابقة أثبتت أن الصراع الداخلي هو أخطر ما يواجه أي قضية عادلة.

ويُعد هذا الحوار فرصة حقيقية لإعادة بناء الثقة بين المكونات الجنوبية المختلفة، ووضع أسس متينة لشراكة سياسية قائمة على الاحترام المتبادل، والاعتراف بالآخر، وتقديم التنازلات المتبادلة التي تخدم الوطن لا الأشخاص. كما أن نجاح هذا الحوار سيسهم في رسم ملامح مستقبل سياسي مستقر، يُمكّن الجنوبيين من التعبير عن تطلعاتهم المشروعة ضمن إطار منظم ومسؤول.

وفي هذا السياق، نحذر من أي محاولات للانفراد بالقرار أو تقديس الأشخاص، فالتجارب أثبتت أن الأشخاص زائلون، بينما يبقى الوطن وقضيته أكبر من الجميع. إن تحويل القضايا الوطنية إلى ملكيات شخصية، أو ربط مصير الجنوب بأفراد، يشكل خطرًا حقيقيًا على وحدة الصف الجنوبي ومستقبل الأجيال القادمة، ويعيد إنتاج الأزمات بدلًا من حلها.

كما يجب التأكيد على أن الحوار الحقيقي لا يكتمل إلا بإشراك مختلف الأطياف والشرائح الجنوبية، دون إقصاء أو تهميش، وبما يضمن تمثيلًا عادلًا يعكس تنوع الجنوب وتاريخه وتضحيات أبنائه. فالقضية الجنوبية لا يمكن أن تُختزل في طرف واحد، بل هي قضية شعب بأكمله يتطلع إلى العدالة والكرامة والاستقرار.
وفي هذا الإطار، لا يفوتنا أن نشيد بالدور الإيجابي والمحوري الذي تقوم به المملكة العربية السعودية، تجاه الجنوبيين واليمن بشكل عام، حيث كان لدعمها السياسي والاقتصادي والأمني أثر بالغ في استعادة الأمن والاستقرار في العاصمة المؤقتة عدن وبقية المحافظات المحررة. كما ساهمت جهودها في تحسين مستوى الخدمات العامة للمواطنين، من كهرباء ومياه وصرف الرواتب، في مرحلة بالغة الحساسية والخطورة.

ختامًا، فإن نجاح الحوار الجنوبي - الجنوبي مرهون بصدق النوايا، وتغليب لغة العقل والحكمة، واستشعار حجم المسؤولية التاريخية الملقاة على عاتق المشاركين فيه. فالجنوب اليوم بحاجة إلى مشروع وطني جامع، يُنهي سنوات الخلاف، ويفتح صفحة جديدة عنوانها الشراكة، والاستقرار، وبناء مستقبل يليق بتضحيات أبنائه.