من الزمن الجميل ..
حين تَعرض ذاكرة المرء مقاطعا من أطياف ذكريات في شاشة خياله فإنه حينها يصبح جميلاً وفق فلسفة " أبو ماضي" .
ومعروف أنه بتحديد زمن ومكان تلك الذكريات يرتفع منسوب الجمال ويَعقد الوجدان أشبه بـ مهرجان " كان" لأفلام الذكريات التي في معظمها سُجلت قبل " الألوان" وهنا نضع نموذجا من أحد تلك المشاهد الخالدة .
-الزمن : منتصف سبعينيات القرن الماضي .
-المكان : أبها عسير ؛ المملكة العربية السعودية .
-الفعالية : حفل فني أقامه المغتربون اليمنيون .
-المناسبة : زيارة أيوب طارش لـ أبها حينذاك .
-أهم فقرات الحفل : تقدم أحد المغتربين اليمنيين إلى المنصة وألقى قصاصة ورق بين يدي الفنان أيوب طارش وانسحب دون أن يُعَرف بإسمه وعاد ليغمر نفسه بين الجماهير .
أيوب طارش بدوره أخذ القصاصة واحتفظ بها إلى حين الاستراحة التي تخللت ذلك الحفل وحينئذ قرأ القصاصة وفجأة دمعت عيناه ثم أعاد قرائتها مرات .
كانت القصاصة تحمل الكلمات الآتية :
من سفح صنعاء ألف مليون سلام وفوقها مليون تحية.
خبيتها في العود من أرض سام جبا لكم مني هدية .
يا ابن اليمن جنب الحرم والمقام وفي الخبر و الناصرية . واخواننا أهل الوفا والذمم في هذه الارض الزكية .
جينا نحييكم بأحلى الكلام و نترك الدنيا شوية .
ونفرح الليلة بعيد الصيام ونلعب اليوم هوشلية .
ومن سهر يرتاح والا ينام لا الصبح ليلة حميرية .
نقول لكم يا مرحبا في الختام و يا هلا بالسامرية .
وبعد الاستراحة أطلقت حنجرة أيوب كلمات القصاصة في لحنٍ خالدٍ وشدوٍ رائدٍ موشح بالعبرات والتنهدات ووسط تفاعل مفعم بأشواق الغربة ومدعم بالحنين الجارف للوطن .
وماهي إلا أيام وإذا بتلك الكلمات تُردد في أرجاء اليمن بحنجرة أيوب وريشته في تناغم مع الطبيعة وجمالها وضمن تجسيد لعظمة اليمني ولحمته بأرضه وإنسانه .
وبالطبع لم يُدرج ذلك المغترب إسمه في نهاية الكلمات بتلك القصاصة ! ما ميز الأغنية تلك كونها الوحيدة بين أغاني الفنان الكبير أيوب طارش التي لا يُعرف صاحب كلماتها أو شاعرها !
ورغم ذلك بقي الخلود ممتزجاٍ بالذكريات وبقي اليمني ملتحماٍ بأرضه وبقيت روحه حيةً بوجدانه النابض .


