وطنية شِلني وشِيلك… حين تتحول المحبة إلى عبودية عمياء

في زمنٍ تختلط فيه الشعارات بالحقائق، وتُرفع فيه رايات الوطنية فوق رؤوسٍ لا ترى ولا تسمع، ظهرت “وطنية شِلني وشِيلك”؛ وطنيةٌ تقوم على المصالح لا على المبادئ، وعلى الولاء للأشخاص لا على الولاء للقيم.

هي وطنية عمياء لا تُبصر الخطأ، ولا تقبل النقد، ولا تفرّق بين الوطن والسلطة. يدافع صاحبها عن وطنه بلا تفكير، يرفض رؤية الفساد والظلم إن صدر ممّن يرفع شعار الوطن، ويهاجم كل ناقد بوصفه خائناً أو عميلاً. يقدّس الرموز أكثر مما يحترم العدالة، ويعبد الشعارات أكثر مما يحمي الحقوق.

لكن الحقيقة التي لا يريدون سماعها :

الوطن ليس حزباً، ولا شخصاً، ولا سلطة. الوطن قيمٌ وعدلٌ وكرامة.

حين يصبح الدفاع عن الوطن ذريعة لتبرير الفساد، تتحول الوطنية من حبٍّ صادق إلى ستارٍ سميك يُخفي الجرائم. وحين يُخَوَّن كل صوتٍ حر، يُخنق الوطن قبل أن يُخنق الناقد.

التاريخ شاهدٌ لا يرحم؛ ما سقطت الأوطان من أعدائها بقدر ما سقطت من فساد الداخل وتقديس الخطأ. كم من أمةٍ رفعت شعار الوطنية وهي تأكل نفسها من الداخل! وكم من شعبٍ صفق للباطل باسم الاستقرار حتى وجد نفسه بلا استقرار ولا وطن!

الوطنية الحقيقية لا تخاف من النقد، لأنها واثقة من نفسها. الوطنية الحقيقية تُحاسب قبل أن تُدافع، وتُصلح قبل أن تُبرّر. أما الوطنية العمياء فهي شراكة صامتة مع الظلم؛ تبرر الفساد اليوم، وتبكي على الأطلال غداً.

أي قهرٍ أعظم من أن ترى الفساد يُنهش قوت الفقراء، ثم يُطلب منك أن تصمت باسم الوطن؟

أي حزنٍ أعمق من أن يُقصى الشرفاء ويُكافأ المنافقون، ثم يُقال لك: “لا تسيء للوطن”؟

إن أعظم خيانةٍ للوطن ليست نقده، بل تزيين القبح فيه. ليست كشف الفساد، بل التستر عليه. ليست رفع الصوت ضد الظلم، بل التصفيق له.

العبرة واضحة:

الوطن لا يحتاج مُطبلين، بل يحتاج مصلحين.

لا يحتاج مدافعين عن الكراسي، بل حراساً للعدالة.

لا يحتاج وطنية “شِلني وشِيلك”، بل وطنية تقول للخطأ: أنت خطأ، ولو صدر من أقرب الناس.

فإما أن نحب الوطن حباً يُنقذه،

أو نحبه حباً أعمى يُهلكه.

والوطن، حين يُستبدل بالسلطة، يموت بصمت…

ثم نبكيه متأخرين.