لا تبكِ على ما فات
لا يمكن لأحد أن ينكر أن التحالف هو من أنشأ الوحدات العسكرية الموجودة حالياً، وهي التي أقامت لها كيانات سياسية تتزعمها بشكل ظاهري، ولا تستطيع تلك الزعامات، بما فيها الشرعية المعترف بها دولياً، أن تحركها وفق رؤيتها. كما أن التحالف هو من عزل هادي، الرئيس المعترف به دولياً، وهو التحالف الذي شكل شرعية تتناسب مع طبيعة العمل على الأرض كما تراه دول التحالف، وليس كما تراه الشرعية أو غيرها! وقد وصل الأمر إلى أن تقف تلك المكونات ضد الشرعية لتبقى قائمة، مما جعل الشارع يلتف حولها ويظن أنها تمثل قضاياهم السياسية، وهذا ما دفع بعض القيادات في الشرعية للوقوف خلف تلك التشكيلات، حتى إن بعضها صدق نفسه وكأنه قوة لا تقهر، حينما لاحظ صمت التحالف، وظن أن ذلك علامة رضا، ناسيًا أنه في عالم السياسة وليس في عالم العواطف والمشاعر الحقيقية. وهذا يدل على أن اختيار تلك التشكيلات تم بعناية من قبل التحالف، ويظهر ذلك بوضوح في تشكيل الحكومة الجديدة!
السؤال الذي يطرح نفسه للنخب الحاكمة هو: أين كانت الخدمات طوال فترة الرضا؟ لكن للأسف، نجد المشاركين في الحكومة من الشرعية وتلك المكونات يسألون نفس السؤال: أين الخدمات؟! وهذا دليل على أنهم مجرد دمى... ليس لديهم رؤية لما يعانيه الشعب من فساد، ولا يتحركون لفعل شيء! ولو كانوا يملكون شيئاً من الأمر، لكانوا أعلنوا عن المعوقات التي تعرقل التنمية وتمنع استعادة الدولة ومؤسساتها. لكنهم يعرفون ثمن هذا السؤال، لذا التزموا الصمت!
عندما يكون البناء غير صحيح، ويُختار القادة من الشارع، تكون النتائج كارثية. فهل لا توجد كفاءات في البلاد؟ وهل الجنوب خاصةً لا يملك كوادر بشرية؟ نعم، نقولها بصراحة، لقد كانت الجنوب دولة ذات عاصمة ومؤسسات، وكانت رائدة في بناء المؤسسات. فلماذا تخلى عنها الجميع؟ وهذا بحد ذاته خطأ قاتل. هناك كوادر جنوبية قادرة على إعادة التصحيح واستعادة المؤسسات، لكن للأسف، معظم القيادات العسكرية والمدنية الجنوبية في البيوت! والمصيبة أن البديل من الشارع يحمل رتباً عسكرية تفوق أعمارهم! كيف تمت الموافقة على هذه الرتب الكبيرة من قبل التحالف؟ إن الشعب الجنوبي لم يجني من هذه التشكيلات سوى الفقر والجوع. فكيف نبكي عليهم؟ تجد تلك القيادات تتقاسم البلاد مع حاشيتها، حتى إنك تجد عائلة تمتلك مرافق مدنية أو عسكرية لا يحق لأحد الاقتراب منها.
إذا كان هذا هو الحال، فلماذا نبكي عليهم؟ إنهم قيادات لا يعرفون التخصص الذي وجدوا أنفسهم فيه، ولهذا هم سهل السقوط والتحكم بهم! لقد مكثوا في الحكم أكثر من عشر سنوات، فأين الإنجازات؟ وهنا نقصد جميع من شارك. لماذا توقف التعليم، وهو عمود النهضة؟ وتوقفت التنمية، وهي عصب الحياة، فهل نأمل من هؤلاء القيادات إستعادة الدولة أو توفير الخدمات الأساسية؟
الوضع فعلاً تحسن بشكل لم نتوقعه. وهذا ما يجري خلفه المواطن الذي تركتموه يصارع الموت... بالطبع، هذا المواطن عندما يرى الخدمات أمامه لن يبكِ على ما فات! فهو يبحث عن السلع التي حرم منها، والتي أصبحت صعبة المنال. هناك فرق كبير عندما تكون السلع في متناول اليد، وسعر الصرف مناسب، والكهرباء والماء والتعليم والصحة والرواتب مستمرة وتتناسب مع الأسعار في السوق.
إذا وجد المواطن هذا فإنه سيجد ضالته المنشودة، وسيتخلى عن كل تلك الشعارات والتشكيلات في لحظة، وسيبحث عن من يقدم له الخدمة!
لقد مرت سنوات طويلة على الشعب، يتمنى فيها أبسط مقومات الحياة، لكنه لم يجدها إلا كسراب من أولئك الذين كانوا في السلطة. لكن هناك جانب مهم غفل عنه الكثيرون، وهو الكوادر الجنوبية وغيرها من الكوادر على مستوى الوطن. فلم تزد تلك الكوادر من تلك التشكيلات الحكومية التي تتبادل الأدوار إلا في تعميق الحرمان...
لن نبكي على ما مضى، إلا إذا كان الإخلاص هو العنوان الذي تعكسه الإنجازات في بناء المؤسسات التي تعيد الحياة للمواطن... واليوم نأمل من المملكة العربية السعودية أن لا تجعل الشعب يعاني مرتين. نريدها بلداً خالياً من كل من أساء لهذا الوطن والمواطن. فقد شهدنا تلك الطفرات النوعية المؤقتة في التحسين المصطنع، فلا نريد لهذا السراب أن يعود... لقد سئمنا من الكذب والنفاق، فنحن كشعب أغلبه يحتاج لمن يمد له يد العون. لا نريد تكرار صور الماضي... واليوم نطالب المملكة بعدم إعادة تلك الصور، فقد ملها الشعب. وليكن التحسن في الرواتب والخدمات مستمراً وفي جميع المجالات. فلا نريد البكاء على ما فات!!!


