لماذا تغيرت الموازين؟ قراءة هادئة في ما جرى بين المجلس الانتقالي، الإمارات، والسعودية

بقلم: صخر_السروري

ما يجري في الجنوب لم يكن حدثا مفاجئ بقدر ما كان نتيجة لمسار طويل من التحالفات المؤقتة والحسابات المتغيرة. فحين كان رئيس المجلس الانتقالي عيدروس الزبيدي يمتلك دعم عسكري وأمني قوي من دولة الإمارات باعتبارها الحليف الرئيسي بدا المشهد وكأن الجنوب يمسك بزمام الأمور، ويسيطر ميدانيٱ، ويملك أوراق قوة حقيقية. لكن السياسة، كما أثبتت التجارب، لا تدار بالقوة وحدها، بل بتوازن المصالح واستقلال القرار.

#أولٱ: طبيعة الدعم  الإماراتي
الدعم الإماراتي للمجلس الانتقالي كان دعم مرحلي تكتيكي، مرتبط بظروف الحرب وموازينها، لا دعما سياسيٱ استراتيجيٱ لمشروع دولة جنوبية مستقلة.
لم تعلن الإمارات في أي وقت اعتراف بدولة جنوبية، ولم تطرح المشروع الجنوبي في المحافل الدولية، بل تعاملت مع الجنوب كجزء من ملف أمني وعسكري أوسع.

#ثانيٱ: تغير الأولويات الإقليمية
مع مرور الوقت، تغيرت أولويات الإمارات:
خفض الانخراط العسكري المباشر
التركيز على الاقتصاد والاستقرار
تجنب الحروب المفتوحة والمكلفة
وحين تغيرت هذه الأولويات، لم يعد الجنوب أولوية بنفس الوزن السابق، فاختارت أبوظبي إعادة التموضع بدل المواجهة.

#ثالثٱ: العلاقة مع السعودية
فالرياض تعتبر نفسها صاحبة الملف اليمني الأول، ولا تقبل بوجود كيان سياسي أو عسكري قوي خارج مظلتها. ومع اتساع نفوذ المجلس الانتقالي، رأت السعودية أن هذا النفوذ تجاوز السقف المقبول سياسيٱ
الإمارات، من جهتها، لم ترغب في الدخول في صدام مباشر مع السعودية، لأن العلاقة الاستراتيجية مع الرياض أهم بكثير من أي ملف جزئي. وهنا فضل الحفاظ على التحالف الخليجي على الاستمرار في دعم طرف قد يجر صدامٱ  إقليميٱ.

#رابعٱ: لحظة الانكشاف
عندما غادرت الإمارات وتقدمت السعودية بثقلها السياسي والعسكري عبر قوى موالية لها في الداخل، وجد المجلس الانتقالي نفسه في مواجهة دولة إقليمية كاملة، لا مجرد خصم محلي.
وهنا ظهر الخلل الكبير
#اعتماد مفرط على حليف واحد
#غياب بدائل سياسية ودبلوماسية
#ضعف استقلال القرار

خامسا: هل خذلت الإمارات المجلس؟
بالمعنى العاطفي: نعم، شعر كثيرون بالخذلان.
لكن بالمعنى السياسي الواقعي: الإمارات لم تتعهد أصلٱ بما ينتظر منها.
الخطأ لم يكن في انسحاب الدعم، بل في قراءة هذا الدعم على أنه التزام دائم.

لذلك ما حدث ليس خيانة ولا مؤامرة مفاجئة، بل نتيجة طبيعية لواقع سياسي قاس
الدول تتحرك وفق مصالحها
التحالفات مؤقتة
والقضايا التي لا تملك قرارها المستقل تترك عند أول تغيير في الموازين
القضية الجنوبية عادلة، والشعب الجنوبي صادق، لكن الإدارة السياسية والتحالفات غير المتوازنة جعلت الجنوب يدفع ثمن أكبر مما يحتمل.
الدرس الأهم
لا يمكن لأي قضية أن تنتصر إذا
ارتهنت لحليف واحد
غابت عنها الرؤية السياسية المتكاملة
أذا لم تبنى على استقلال القرار وتعدد العلاقات