التصحر في اليمن الأسباب والتداعيات وسبل المعالجة الميدانية
في مشهد يتكرر كل يوم في مختلف مناطق اليمن، لم يعد التصحر مجرد مصطلح يُتداول في الندوات أو الورش أو يُكتب في التقارير، بل أصبح واقعًا ملموسًا يراه المواطن والمزارع بأم عينه. أراضي كانت خضراء تحولت إلى مساحات جافة، ووديان كانت تنبض بالحياة أصبحت قاحلة، ومدرجات جبلية كانت تُزرع بالبن والخوخ والحبوب باتت اليوم غير صالحة للزراعة.
هذا التدهور المتسارع يطرح سؤالًا ملحًا إلى متى سيظل التعامل مع هذه الكارثة في إطار الورش والاجتماعات، من داخل الفنادق
دون خطوات عملية على أرض الواقع؟
ما هو التصحر ؟
ببساطة، التصحر هو تدهور الأرض الزراعية وفقدانها لخصوبتها وقدرتها على الإنتاج، نتيجة عوامل طبيعية وبشرية. ويُعد اليمن من الدول الهشة بيئيًا بسبب محدودية الأمطار، ما يجعل أراضيه أكثر عرضة للتدهور في حال غياب الإدارة السليمة.
أسباب التصحر بين الطبيعة والإنسان
أولًا...عوامل طبيعية
تشمل قلة الأمطار وعدم انتظامها، وارتفاع درجات الحرارة عامًا بعد آخر، وتكرار موجات الجفاف، إضافة إلى السيول الجارفة التي تجرف التربة الخصبة.
ثانيًا.. عوامل بشرية (وهي الأخطر)
تتمثل في قطع الأشجار بشكل جائر لأغراض الحطب والفحم، والرعي العشوائي الذي يمنع تجدد الغطاء النباتي، واتباع أساليب حراثة غير مناسبة في الأراضي الهشة، وسوء إدارة مياه الري مما يؤدي إلى ملوحة التربة، فضلًا عن التوسع العمراني على حساب الأراضي الزراعية، وغياب التخطيط والرقابة الفاعلة.
وبوضوح، فإن الإنسان يُعد العامل الأبرز في تفاقم هذه المشكلة.
تداعيات خطيرة تهدد الحاضر والمستقبل
التصحر لا يقف عند حدود البيئة فقط، بل يمتد أثره إلى الاقتصاد والمجتمع، حيث يؤدي إلى تقلص الرقعة الزراعية، وضعف الإنتاج، وفقدان التربة لخصوبتها، وزيادة معدلات الهجرة من الريف، وارتفاع مستويات الفقر، إضافة إلى تزايد العواصف الرمليه . وإذا استمر الوضع على ما هو عليه، فإن خسارة مساحات واسعة من الأراضي الزراعية ستكون حتمية خلال سنوات قليلة.
الحلول من الأقوال إلى الأفعال
لم يعد هناك مجال للتأجيل أو الاكتفاء بالتوصيات النظرية، فالمطلوب اليوم إجراءات عملية، من أبرزها...
-حماية الغطاء النباتي عبر زراعة الأشجار المقاومة للجفاف، والحد من القطع العشوائي، وتنظيم الرعي.
-إدارة الموارد المائية من خلال إنشاء حواجز وسدود صغيرة لحصاد مياه الأمطار، وإعادة تأهيل المدرجات الزراعية، واعتماد أساليب ري حديثة تقلل الفاقد.
-تحسين خصوبة التربة باستخدام الأسمدة العضوية (الكمبوست)، وتطبيق الدورة الزراعية، وتقليل الحراثة العميقة في الأراضي الضعيفة.
-دور الدولة عبر وضع خطط واضحة بجدول زمني محدد، ودعم المشاريع الميدانية، وإشراك المزارعين في صنع القرار، وتطبيق القوانين بفعالية لا الاكتفاء بكتابتها.
رسالة إلى صُنّاع القرار
الأرض ليست ملكًا لجيل بعينه، بل هي أمانة تتوارثها الأجيال. كل متر أرض يتم الحفاظ عليه اليوم هو ضمان للأمن الغذائي غدًا.
المطلوب ليس مزيدًا من التقارير أو الاجتماعات، بل إرادة حقيقية وإجراءات ملموسة تحمي الأرض وتدعم المزارع.
اخيرا ...
التصحر في اليمن حقيقة قائمة، لكنه ليس نهاية الطريق. فالحلول موجودة، والإمكانات متاحة، لكن ما ينقص هو سرعة التحرك وجدية التنفيذ.
الأرض ما زالت قادرة على العطاء… لكنها لم تعد تحتمل مزيدًا من التأخير.
عزيزي المزارع ...
حافظ على أرضك كما تحافظ على رزقك، وابدأ بزراعة الأشجار واستخدام السماد العضوي وتقليل الهدر في الماء، فالأرض إن اعتنيت بها أعطتك، وإن أهملتها خذلتك.
عبدالقادر السميطي
دلتا أبين


