حضرموت.. وإنصاف "رجال الموقف"

لا تُقاس قوة الأوطان ووحدة نسيجها بمدى إحكام القبضة على القرار الإداري، بل بمدى قدرتها على استيعاب رجالها المخلصين وإنصافهم حين تتبدل العهود وتتغير الظروف.. لقد شهدت حضرموت في مراحل سابقة مسارات مؤسفة، وُظِّف فيها "القرار الإداري" كأداة للعقاب  وتصفية الحسابات ضد كل من جهر بكلمة الحق، أو انحاز للمطالب المشروعة لأهله ومجتمعه..

إن ما تعرضت له شخصيات حضرمية -عسكرية ومدنية- يُشار إليها بالبنان من إقصاء ، لم يكن ناتجًا عن خلل إداري أو تقصير في أداء الواجب، بل كان ضريبةً باهظة لمواقفهم الصلبة تجاه قضايا حضرموت .. ولعل ما حدث مع الشيخ سالم بن ملهي الصيعري، المدير العام لمديرية العبر، يمثل النموذج الصارخ لهذه السياسة؛ فقد جوبه بالإقصاء والمضايقة، لا لشيء إلا لأنه آثر الوقوف بثبات مع "حلف قبائل حضرموت"، وتبنى مطالب حضرموت العادلة، رافضًا أن يكون شاهد زور على تهميش أرضه وإنسانها.

ولم يكن "بن ملهي" وحيدًا في هذا الميدان، فقد طالت رياح الإقصاء والبلاغات الكيدية قيادات فاعلة في "مؤتمر حضرموت الجامع"، نذكر منهم الأساتذة محمد باحشوان وصالح حسين السعدي، وغيرهم من الرموز الذين استُهدفوا وأُبعدوا عن مراكزهم، فقط لأنهم اختاروا الانحياز للحق الحضرمي في زمنٍ كان فيه "الصمت" هو الخيار الأقل كلفة والأضمن للبقاء في الكرسي..

اليوم، ونحن نتحدث عن مرحلة جديدة ومسار مختلف يسعى لاستعادة مكانة حضرموت، فإن الإنصاف الحقيقي لا يتجلى بالشعارات ، بل بالمراجعة الشجاعة لقرارات الإقصاء الجائرة التي صدرت بدوافع سياسية محضة.. فبناء حضرموت لا يستقيم بمعاقبة الشرفاء أو الإصرار على الأخطاء التي ارتكبت بحقهم، بل يبدأ بفتح صفحة جديدة قوامها العدل والإنصاف، لا الإقصاء والانتقام.

إننا نضع هذا الملف أمام قيادة السلطة المحلية، انطلاقًا من ثقتنا بأن معالجة أخطاء الماضي تتطلب شجاعةً في الاعتراف بالخلل، وإرادةً في رد الاعتبار لكل من اكتوى بنار "الخصومة السياسية" لمجرد أنه قال "لا" حين استوجب الموقف قولها..

إن حضرموت لا تُدار بعقلية تصفية الحسابات، وقوتها تكمن في تلاحم رجالها المخلصين. والتاريخ الذي لا ينسى من ظَلَم، سيخلد بلا شك من أَنصف حين امتلك ناصية القرار.. وأعتقد أن إنصاف الشيخ بن ملهي ورفاقه من القيادات ليس طلبًا لامتياز ، بل هو استحقاق لاستعادة هيبة المؤسسات وإنفاذ سلطة الحق؛ فمن وقف مع حضرموت في أشد لحظاتها قسوة، هو الأحق بأن يكون في طليعة من يقودها نحو المستقبل..
والمراحلُ شواهد..