السعودية في قلب الجيوبوليتيك العالمي.. قراءة في الأبعاد والدلالات ..

إن حضور الدول وأهميتها إقليميا وتأثيرها على الصعيد العالمي يعتبر انعكاسا مباشرا للجغرافيا والتاريخ والدور الحضاري وموقع الدولة في شبكة المصالح العالمية ؛ وليس مجرد ورقة مؤقتة وُضعت على حين غفلة من التاريخ ولأجل مسمى ! أو "فقط" كيان آني صُنع لأداء دور وظيفي لأجل غير معلوم . 

وفي هذا السياق تمثل السعودية حالة فريدة يصعب مقارنتها ببقية دول العالم ؛ ليس فقط من حيث المساحة أو الثقل الاقتصادي بل من حيث طبيعة وجودها وكينونتها الأمر الذي بناء عليه تجاوز دورها الحدود التقليدية للدولة إلى فضاءات إقليمية ودولية أوسع .

ففي الوقت الذي تنحصر فيه معادلات الوجود ومقومات البقاء لدى معظم الدول ضمن المحيط الجغرافي لكل دولة من تلك الدول فإن السعودية تتحرك ضمن دوائر أمنية متعددة تفرض عليها مسؤوليات وتحديات تفوق ما تواجهه غالبية الدول ، وذلك ما ستناوله هنا من خلال المحاور الأربعة التالية :

المحور الأول :-
 عالمية السعودية على الصعيد الأمني :
تقع السعودية في قلب العوالم الثلاثة "العربي،الاسلامي،العالمي" وتشكل نقطة التقاء بين آسيا وأفريقيا وتطل على أهم المسطحات والممرات البحرية المؤثرة في التجارة الدولية وأمن الطاقة .
هذه الجغرافيا لم تمنح المملكة فقط أهمية اقتصادية بل جعلت أمنها جزءًا من أمن النظام الدولي ذاته .
فأي اضطراب يطال استقرارها ينعكس فورًا على أسواق الطاقة وحركة الملاحة والتوازنات الإقليمية .
ولهذا لم يكن أمن السعودية يومًا ما شأنا محليًا بل عنصرًا محوريًا في حسابات القوى الكبرى .

المحور الثاني :-
السعودية وثلاثية الدوائر الأمنية :
تكمن الخصوصية الكبرى في التجربة السعودية في أن أمنها لا يقوم على مستوى واحد بل على ثلاثية من الدوائر المترابطة :
الأولى/ دائرة الجوار المباشر :
وتشمل الحدود البرية والبحرية والممرات الحيوية المحيطة بالمملكة .
وهنا تظهر التهديدات التقليدية مثل النزاعات والفوضى السياسية والجماعات المسلحة وأمن الموانئ والمضائق .
وتمثل هذه الدائرة خط الدفاع الأول لكنها ليست وحدها كافية لحماية الأمن القومي السعودي .
الثانية/ دائرة العمق الإقليمي :
وفيها تُصنع الأزمات قبل أن تصل إلى حدود المملكة حيث تتحرك الصراعات بالوكالة وتُحرك القوى الإقليمية بشكلين
"مباشر وغير مباشر"  على النفوذ وتُستخدم بعض الدول كساحات تصفية حسابات ،
وأي خلل في هذا العمق ينعكس تلقائيًا على استقرار السعودية .
الثالثة/ الدائرة الدولية الواسعة :
وهي ساحة التنافس بين القوى الكبرى على الطاقة والممرات البحرية والتحالفات والنفوذ الجيوسياسي
وفي هذه الدائرة يصبح أمن السعودية مرتبطًا مباشرة بموازين القوى العالمية لا فقط بمعادلات المنطقة .

المحور الثالث :- السعودية دولة لم تُصنع في غرف التقسيم الدولي :
على خلاف كثير من دول الشرق الأوسط التي تشكّلت بفعل اتفاقيات استعمارية، جاءت السعودية نتاج مسار تاريخي داخلي متدرج، لا نتيجة قرارات استعمارية أو مصالح دولية ،
وهذا الفارق الجوهري منحها ما يلي :
-تماسكًا سياسيًا نادرًا في المنطقة
-شرعية تاريخية واجتماعية
-استقلالية في القرار الاستراتيجي
ولهذا لم تكن يوما ما
 دولة تابعة لمحور دولي ولم تُرهن سياساتها لتوازنات القوى الكبرى بل حافظت على سياسة مرنة قائمة على التوازن لا الاصطفاف .

المحور الرابع :-
لماذا تُعد السعودية هدفًا دائمًا لمشاريع الاضطراب ؟
ذلك لأن ضرب أمنها لا يعني إضعاف دولة فحسب ؛ بل إحداث ارتدادات عالمية واسعة كون استهدافها يترتب عليه :
-تهديد إمدادات الطاقة العالمية
-تعطيل الممرات البحرية الحيوية
-زعزعة استقرار الشرق الأوسط
-توسيع دوائر الفوضى الإقليمية .
ولهذا تحولت السعودية إلى محور في استراتيجيات الضغط وحروب الوكلاء ومحاولات الابتزاز السياسي وأصبحت "كركيزة توازن" لا "كلاعب فوضى" وسط عالم يتجه نحو الاستقطاب الحاد والصراعات المفتوحة .

وقد برزت السعودية كقوة توازن تحاول احتواء الأزمات لا تفجيرها وبالتزام السياسات المسئولة والمتمثلة في :
-لا تنخرط في مغامرات عسكرية عبثية
-لا تخضع لمحاور صدامية مغلقة
-تُدير علاقاتها وفق المصالح لا الأيديولوجيات
وهو ما جعلها عنصر استقرار في بيئة إقليمية مضطربة .

أخيرا :
من خلال ما سبق يتضح بأن السعودية "الآمنة" هي المعادلة ذات البعد الدولي المتجاوز للشأن المحلي ! وأن أهمية هذه المعادلة لا يعود فقط إلى الجغرافيا أو الثقل الاقتصادي بل إلى ما تمثله من ركائز الاستقرار العالمي كونها دولة تتقاطع عندها المصالح الدولية وتتشابك حولها توازنات الطاقة والتجارة وتُؤنسن بها مفاهيم السياسة ومفاعيلها وتُجسد بها وسطية الدين ومأسسة الحكم .
لهذا سيظل أمنها عمود الاستقرار الأول لأمن الشرق الأوسط والعالم والمساس بأمن هذه الدولة لا يعتبر تهديدًا لدولة واحدة ؛ بل لنظام إقليمي ودولي بأكمله !

فهل يدرك العرب أن السعودية تمثل خط الدفاع الأول - ليس عن المنطقة فحسب - بل عن العالم بأسره ؟! .

يبقى السؤال :
أكووو عرب ؟ !