عذبتني عذاب الهدهد
بقلم: أ.د مهدي دبان
ينتشر على ألسنة بعض الإعلاميين والناس مثل يقول: (عذبتني عذاب الهدهد) في إشارة إلى إن سيدنا سليمان عليه السلام عذب الهدهد، ويقال أحيانا على سبيل السخرية أو التبرير، حتى أصبحت وكأنها حقيقة مسلم بها. غير أن هذا المثل، في حقيقته، تحريف لمعنى القصة القرآنية، واختزال ظالم لواحدة من أبلغ صور العدل والحكمة في القرآن الكريم.
القصة كما يرويها القرآن في سورة النمل تُظهر أن سليمان عليه السلام كان قائدا عادلا، يتفقد جنوده بدقة ومسؤولية. وحين غاب الهدهد، لم يعاقبه مباشرة، بل هدده بالعقوبة إن لم يكن له عذر واضح، وهو مبدأ قرآني أصيل: لا عقوبة بلا حجة.
ثم جاء التحول الكبير؛ عاد الهدهد بخبر لم يكن في الحسبان، خبر من سبأ، عن قوم يعبدون الشمس من دون الله. لم يُهمل سليمان هذا الخبر، ولم ينظر إلى قائله بصغر حجمه، بل استمع، وتحقق، وبنى على المعلومة موقفا دعويا حكيما.
ومن هنا تتجلى المفارقة التي يُغفلها المثل الشائع: الهدهد لم يعذب لم يكن سببا في العذاب، بل كان مفتاحا للهداية. فقد كان رسول كتاب سليمان، وبدايته كانت نهاية لعبادة الشمس، وبوابة لإسلام ملكة وقومها، حتى انتهت القصة بقوله تعالى على لسان الملكة: «وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ».
إن خطورة تداول هذا المثل، خاصة عبر الإعلام، أنه يشوه المعنى القرآني، ويُرسخ في الوعي الجمعي صورة خاطئة عن الأنبياء، ويُقدّم العدل في ثوب القسوة، والحكمة في صورة التعسف. والقرآن حين يورد القصة، لا يريد منها حكاية عابرة، بل درسا خالدا في القيادة، والمسؤولية، وسماع الحجة مهما كان صاحبها ضعيفا.


