ازدواج الوظائف… بابٌ خفيّ لتوسيع البطالة في اليمن

بقلم : المحاسب القانوني معاذ عبدالواحد الصبري
نقيب المحاسبين – رئيس مركز المستشارين اليمنيين


في بلدٍ ترتفع فيه معدلات البطالة إلى مستويات مقلقة، ويكافح آلاف الشباب للحصول على فرصة عمل تحفظ كرامتهم، تبرز ظاهرة خطيرة ومؤلمة في آنٍ واحد، هي ازدواج الوظائف الحكومية لدى فئة محدودة من المجتمع. فبينما يقف الخريجون والعاطلون في طوابير الانتظار، نجد من يجمع بين أكثر من وظيفة حكومية، وأحياناً بين وظيفة داخل الوطن وأخرى خارجه، وكأن الوظيفة العامة تحوّلت من مسؤولية وطنية إلى امتياز خاص.

هذه الظاهرة لا تمثل مجرد خلل إداري عابر، بل تكشف عن اختلال عميق في إدارة الموارد البشرية للدولة، وغياب واضح لمبدأ تكافؤ الفرص الذي يفترض أن يكون أساس الوظيفة العامة. فحين يحتكر شخص واحد وظيفتين أو ثلاثاً، فإن ذلك يعني عملياً حرمان شخصين أو ثلاثة من حقهم الطبيعي في العمل.

والسؤال المشروع هنا: كيف يمكن أداء كل هذه الوظائف بكفاءة حقيقية؟

كيف يمكن لمسؤول أن يدير عملاً داخل اليمن، بينما يشغل وظيفة أخرى خارجها؟ وهل هذه المهام تُؤدى فعلاً أم أنها مجرد مسميات ورواتب؟
اقتصادياً، تمثل ازدواج الوظائف صورة من صور سوء توزيع الدخل والفرص، إذ لا تزيد الإنتاج ولا تحسن مستوى الخدمات، بل تؤدي إلى تضخم الإنفاق الحكومي دون مقابل حقيقي. وفي ظل أزمة مالية مزمنة، يصبح من غير المقبول أن تُصرف مرتبات متعددة لشخص واحد، بينما تعجز الدولة عن توفير وظائف جديدة لآلاف الشباب.

أما سياسياً، فإن استمرار هذه الظاهرة يضعف ثقة المواطنين بمؤسسات الدولة، ويعزز الشعور بأن الوظيفة العامة تخضع للنفوذ والعلاقات الشخصية أكثر مما تخضع للقانون والكفاءة. وعندما يفقد الشباب الإحساس بعدالة توزيع الفرص، يتولد الإحباط ويتراجع الانتماء الوطني، ويزداد الاحتقان الاجتماعي.
الحقيقة التي ينبغي الاعتراف بها أن مكافحة البطالة لا تبدأ فقط بإنشاء مشاريع جديدة، بل تبدأ أولاً بإصلاح الخلل في توزيع الوظائف القائمة. فمراجعة شاملة للوظائف الحكومية داخل الوطن وخارجه قد تكشف عن آلاف الفرص التي يمكن أن تُتاح للشباب إذا تم إنهاء ازدواج الوظائف.

المطلوب اليوم ليس نقاشاً نظرياً، بل قرار إداري واضح يمنع الجمع بين أكثر من وظيفة حكومية، ويُلزم كل موظف بالتفرغ الكامل لمهامه، مع إجراء مراجعة دقيقة للوظائف والسفارات والملحقيات والهيئات المختلفة، لضمان العدالة والشفافية.

فالوظيفة العامة ليست ملكاً شخصياً، ولا مورثاً عائلياً، ولا مكافأة سياسية، بل هي حق عام يجب أن يُدار بعدالة ومسؤولية.

إن أخطر ما يهدد استقرار المجتمعات ليس الفقر وحده، بل الإحساس بالظلم في توزيع الفرص. وإذا أرادت الدولة معالجة البطالة بجدية، فإن أول خطوة حقيقية تبدأ من هنا:
إعادة توزيع الوظائف قبل المطالبة بخلق وظائف جديدة.
وحين يتحقق ذلك، لن يكون الأمر مجرد إصلاح إداري، بل خطوة حقيقية نحو العدالة الاقتصادية، واستعادة ثقة الشباب في مستقبلهم، وترسيخ مبدأ أن الكفاءة وحدها هي الطريق إلى الوظيفة العامة.