أستاذ اكاديمي بلا راتب… ومجند بعملة صعبة
بقلم: أ.د مهدي دبان
في وطنٍ قُلبت فيه الموازين، تحول الأكاديمي إلى كائن أسطوري، يمارس طقوس الصمود في زمن الانكسار؛ يقف بكبريائه المعهود ليفك شفرات قوانين الكون، بينما تغرق حياته في فوضى قوانين راتب لا تخضع لمنطق ولا تعرف معنى الإنسانية. هو ذاك الذي يشرح للطلبة مفهوم الاستقرار بينما واقعه يتأرجح فوق رمال متحركة، منتظراً راتبه الذي صار كالمذنب العابر، لا يزور الجيوب إلا نادرا.... يعيش هذا المثقف صراعاً وجودياً، حيث يصبح البحث العلمي عبئاً، وتصبح الرفوف المكتظة بالكتب مجرد شاهد صامت على زمن صار فيه العقل أرخص السلع.
وعلى النقيض تماماً، تلمع طريق أخرى تُسمى "التجنيد"، حيث لا حاجة لشهادات عليا أو سهر بين الكتب، بل يكفي الانخراط في المعسكرات لتُفتح خزائن العطاء، وتتدفق العملة الصعبة كغنائم سريعة. المفارقة هنا تبكي القلوب؛ فبينما يحلم العالم بالخلاص عبر ترقية علمية شاقة، يحصل غيره على بذخ مالي بمجرد ارتدائه الزي العسكري. هي معادلة بائسة تحكم هذا الزمان: كلما ازددت علماً، زاد شقاؤك، وكلما اخترت السلاح، كثرت مكافآتك. وفي نهاية المطاف، يبقى الأستاذ صامداً في محرابه، يبتسم لطلابه بمرارة، ممارساً آخر مهارات البقاء ...


