عندما كانت الموارد غير متواجدة
منذ أن نشأنا في منتصف القرن التاسع عشر، كانت الحياة ذات طابع قبلي صارم متخلف ؛ نعيش في قرى متناثرة على الجبال وفي الوديان، متباعدة عن بعضها بعضًا، حتى وإن اشترك سكانها في المحيط الجغرافي ذاته والارض الزراعية المشتركة. ورغم القرب المكاني، كان الناس يعيشون في حالة صراع دائم وفي عزلة تتحارب القرى فيما بينها، وكل قبيلة تناصب الأخرى العداء. بل إن الصراعات بلغت حدّ شنّ حروب غير مباشرة، كمنع زراعة الأراضي التي تمثل لهم مصدر العيش والاستمرار في الحياة فقد منعوا بعضهم من زراعتهاو تُركت مساحات واسعة من الأراضي بورًا، وكان يُطلق عليها اسم (الورع)، أي الأراضي التي يُحظر على الطرفين زراعتها. وهكذا تشكّلت نفوس مشحونة بالكراهية، وعقول تعيش في عزلة تامة خانقة وبعيدة عن العالم. لم يكن هناك تعليم، ولا زراعة بمفهومها الصحيح، ولا صحة، ولا مواصلات، ولا أي شكل من أشكال مقومات الحياة والتواصل الإنساني الأخوي، رغم العيش المشترك في بيئة واحدة. فلم يجمعهم التجاور في السكن، ولا الدين، ولا اللغة، ولا الأرض، ولا حتى قسوة الظروف التي عاشوها سواء . والمؤلم أن تلك القسوة لم تدفعهم إلى التفكر في واقعهم أو محاولة تغييره او التصالح مع ذواتهم ؛ بل زادهم ذلك تشرذم وقطيعة وتقطعة بينهم الروابط حتى اعتاد بعضهم على تعذيب نفسه، بل واستمتع بفقر الحياة المدقع.
لقد جنّدت الحياة ضدهم كل مصاعبها، وجنّد الاستعمار بعضهم ضد بعض، فكان العبد الخائن منهم يُمنح الفتات مقابل بيع ضميره، وبيع جماعته، وبيع القيم والاخلاق وعمل ضد الشرفاء الذين أرادوا تحريرهم ومقاومة الظلم والجهل والفقر والمرض. وكان هؤلاء خونة، بالأمس عبيدًا للاستعمار، واليوم احفادهم يحملون جينات العمالة يتوارثونها جيلًا بعد جيل، مدعين الأحقية في القيادة . فقد كانوا يزوّدون طائرات المستعمر بإحداثيات بيوت أولئك الشرفاء القابعة على الجبال وبين الأودية التي لم تكن تشكل تهديدًا لهم ولا ضررًا مباشرًا عليهم، لكن بدافع التنكيل وبسط النفوذ، والاعتراف لاسيادهم بالولاء فيفعلون كل ما من شأنه سحق جماعتهم وإخضاعها للحصول على الولاء.قال تشي جفاراء ان مقاومة الظلم لايحدها الانتماء لدين او عرف او عرق او مذهب بل يحدها طبيعة النفس البشرية التي تابى الاستعباد والسعي للحرية. وهذا للتذكير فقط، مهما حاولنا وصف ذلك الواقع في المكان الذي نعيش فيه بأنه بالغ السوء، فلن نوفيه حقه.
لم تكن هناك مواصلات، ولا مدارس، ولا مستشفيات، ولا أسواق. وكان على أجدادنا الكفاح اليومي من أجل البقاء على قيد الحياة تحت تلك الظروف القاسية. لم يكن غياب التعليم أو انعدام الخدمات عائقًا أمام التفكير في الوظائف أو مقومات الحياة فتلك المفاهيم لم تكن مطروحة أصلًا؛ بل كان هذا هو الواقع الحقيقي. لقد وُلد أسلافنا في فقر مدقع وتخلّف مرعب، منذ اللحظة الأولى لوجودهم، في وقت كان أبناء بلاد المستعمر يعيشون مراحل متقدمة من العلم والتطور الثقافي والصناعي والتجاري، ويتمتعون بمقومات التقدم والازدهار في أوطانهم. في ذلك الوقت لم يتجاوز عدد سكان قريتنا وما حولها مئتي إنسان. ورغم الخلافات المتأصلة فيما بينهم، إلا أنهم في الأوقات العصيبة كانوا يضعون خلافاتهم جانبًا، ويتكاتفون للعمل معًا. فالحياة القروية متشابهة في سلوكها، ومشروطة بطبيعتها؛ إذ يوجد البشر كأفراد ضمن جماعات، وهذا ما يخلق بالضرورة تضاربًا في المصالح. بل إن هذا التضارب يبدو حاضرًا حتى في أجسادنا ذاتها. ومن هنا، ينبغي على الشباب أن يدركوا تحقيق تلك الاهداف لم يتم ولم يكن إلا بتضحيات الشرفاء بعد ذلك الوقت نجحت قدرتنا على العمل الجماعي، جنبا الى جنب بمساعدة بعضنا بعضًا، وعلى حماية أنفسنا بشكل كبير. فلم نعد مجرد ناجين على قيد الحياة، بل ازدهرنا وتقدمنا حتى بلغنا مراحل لافتة من التطور. واليوم، تختلف حياتنا جذريًا عن حياة الأجيال التي عاشت في ذلك الزمن.
لقد تكيفنا مع مختلف المراحل والظروف، السابقة واللاحقة. وأتمنى أن يفهم الشباب اليوم المرحلة الراهنة ويدركون بوعي واقعي، حتى يحافظوا على توازنهم بما يحفظ لهم كرامتهم ويقدرون فيه أنفسهم حتى ينتقلون الى مستوى افضل في الحياة. لان حياة القرية قد تغيرت كثيرا ولذلك تعد فرصتنا للنجاح كبيرة يتعاون فيها الجميع ويتعلق ذلك بالعمل الجاد المثمر .


