تأملات بين الأدب والعلم
بقلم: حسن الكنزلي
منذ أيام وأنا في صراع صامت مع الأرق؛ فلا نوم يزورني إلا في غفوات قصيرة، يغفو فيها الجسد لحظات؛ بينما يبقى الوعي متيقظا كحارس لا ينام. كأن النوم يقف على بابي ثم ينصرف قبل أن يدخل، تاركا خلفه تعبا لا يهدأ.
وفي صبيحة هذا اليوم، وبعد محاولات يائسة لاستدعاء النوم، قررت الخروج إلى السوق عل نسيم الفجر يهدئ الروح، أو لعل المشي يرهق الجسد فيستسلم للنوم لاحقا.
كان الصباح رقيقا، كأنه آخر أنفاس شيخوخة الشتاء، والهواء يحمل برودة خفيفة تشبه الهمس. غير أن ما خرجت من أجله لم يتحقق؛ فقد بدا النوم مقصدا بعيد المنال.
لكن الأمر الذي دفعني إلى الكتابة لم يكن الأرق ولا الصباح، بل مشهد يتكرر أمامي منذ زمن، وكأن القدر يكرر عرضه أمامي لأفكّ شيفرة خفية فيه.
لقد لاحظت ـ كما لاحظت مرارا من قبل ـ مشهدا يكاد يتكرر بالحروف نفسها:
رجل بائس، من أولئك الذين يكافحون الحياة بالتقاط العلب الفارغة أو جمع المهملات ليبيعها بثمن زهيد، أو آخر رث الهيئة، يكاد يبدو كأنه غريب عن العالم أو كالمجنون في نظر الناس.
العجيب أن الكلاب في الشارع ـ من بين كل العابرين ـ تختار أحد هؤلاء تحديدا، فتندفع نحوهم بالنباح والتهديد، كأنها تستشعر خطرا خفيا.
وفي حادثة هذا الصباح تحديدا، كانت كلبة شرسة، ممتلئة بالضراوة، قد اندفعت نحو أحد هؤلاء المساكين حتى كادت تفتك به. تدخلت سريعا لأبعدها عنه، فتراجعت مذعورة، لكنها لم تبتعد كثيرا؛ بل وقفت غير بعيد، تراقبه بعينين حادتين، وكأنها لا تزال تشك في أمره.
كلما تكرر هذا المشهد؛ تسلل إلى ذاكرتي بيت للإمام الشافعي يصور حال الفقير مع الدنيا تصويرا موجعا:
يمشي الفقيرُ وكلُّ شيءٍ ضدَّهُ
ويرى العداوةَ لا يرى أسبابَها
حتى الكلابُ إذا رأتْهُ مقبلًا
نبحتْ عليه وكشَّرتْ أنيابَها
وهو تصوير شعري بالغ القسوة في صدقه؛ فالفقر أحيانا لا يكتفي بأن يرهق صاحبه؛ بل يجعله يبدو في نظر العالم كله موضع ريبة أو نفور.
لكن السؤال الذي تسلل إلى ذهني كل مرة لم يكن أدبيا فحسب؛ بل علميا أيضا:
لماذا يحدث هذا؟
لماذا تتوجه الكلاب ـ غالبا ـ نحو أكثر الناس بؤسا وضعفا؟
هنا يبدأ العلم في تقديم بعض التفسيرات؛ فالكلاب ليست مجرد حيوانات تتحرك بالغريزة العمياء؛ بل تمتلك حواسا دقيقة وقدرة عالية على قراءة الإشارات الجسدية والروائح. وتشير دراسات سلوك الحيوان إلى أن الكلاب تعتمد على عدة عوامل في تحديد ما تراه تهديدا أو أمرا غير مألوف، منها:
– لغة الجسد؛ فالإنسان المتعب أو المضطرب أو الخائف يمشي بحركات غير منتظمة، وقد ينحني أو يترنح، وهذه الإشارات قد تفسرها الكلاب بوصفها سلوكا غريبا يستدعي الحذر أو الهجوم.
– تمتلك الكلاب حاسة شم تفوق الإنسان بعشرات المرات. والإنسان الذي يعيش في الشارع أو يعمل في جمع المخلفات قد يحمل روائح مختلفة عن بقية الناس، وهو ما قد يثير فضول الكلب أو شكه.
– الخبرة السابقة؛ فالكلاب التي عاشت في الشوارع قد تكون تعرضت للأذى من بعض البشر، فتطور لديها نمط من الاشتباه بمن يبدو ضعيفا أو غريب الهيئة.
– غريزة القطيع؛ فالكلاب تميل في سلوكها إلى اختبار من يبدو أقل قوة أو أكثر اضطرابا؛ لأنها في عالمها الغريزي تقيس التهديد والهيمنة بطريقة مختلفة عن البشر.
ومع ذلك، يبقى في المشهد بعد إنساني موجع؛ فالفقر لا يثقل الجيوب فقط؛ بل يغير ملامح صاحبه وحركته ورائحته وحتى موقعه في عيون الناس... وربما في عيون الكلاب أيضا.
لكن سؤالا آخر أخذ يتردد في ذهني: هل يمكن أن تكون هذه الظاهرة موضوعا لدراسة علمية جادة؟ وهل يمكن لمثل هذه الدراسة أن تكشف شيئا جديدا عن علاقة الحيوان بالإنسان، أو عن تأثير الفقر في السلوك الاجتماعي والبيئي؟
ثم تساءلت: من سيقوم بمثل هذه الدراسات في بلداننا؟ وهل تُنجز عندنا الأبحاث لطلب الحقيقة فعلا، أم تُكتب غالبً
ا لنيل شهادة أو لقب أكاديمي، أو لتُستهلك في ضجيج الإعلام؟
لم أجد جوابًا شافيًا لكل هذه الأسئلة. توقّف التفكير عند حده، وعدت إلى معركتي الصغيرة مع النوم.
حاولت أن أظفر بغفوةٍ قصيرة، لكن النوم ظل بعيدا كعادته، بينما جسدي يرتجف من الإرهاق، وعقلي — من فرط التعب — لم يعد قادرا حتى على التفكير.
وهكذا بقي السؤال معلقا في الهواء، كما بقي نباح الكلاب في أذني! وكأن الحياة أرادت أن تقول شيئا لم أستطع بعد أن أفهمه.


