إلى "فوكوياما" مع التحية : "أمريكا... إمبراطورية اللحظة لا امبراطورية التاريخ"...

في الخطاب السياسي المعاصر تُقدَّم الولايات المتحدة الأمريكية بوصفها ذروة القوة في التاريخ الإنساني وكأنها آخر نموذج للانسان وحياته ! بل النسخة الأخيرة والنهائية
للامبراطوريات .
غير أن هذه النظرة - رغم وجاهتها - في سياق اللحظة الراهنة تعاني من قصرٍ في الأفق التاريخي إذ تخلط بين "الأقوى الآن" و"الأعظم عبر التاريخ" .
فالامبراطوريات لا تُقاس فقط بما تملكه من سلاح أو اقتصاد ولكن بمدى امتدادها في الوعي الإنساني وعمق حضورها في الذاكرة الحضارية وقدرتها على تجاوز حدود الجغرافيا إلى حدود الأسطورة وغزارة المعنى وقوة
 المبنى .
ومن هذا المنظور تبدو الولايات المتحدة تبدو رغم قوتها امبراطوريةً زمنيةً وليست مكانيةً ولا حضاريةً بالمعنى العميق .
فهي تهيمن على النظام الدولي بالتأكيد بل وتتحكم في
 الاقتصاد العالمي وتملك أدوات ضخمة من القوة الصلبة والناعمة .
لكنها في الوقت ذاته محكومة بإطار زمني قصير نسبياً ولم تتحول بعد إلى "أسطورة مُؤسّسة" في الوعي البشري كما هو حال امبراطوريات أقدم .

ولعل أبرز تعبير فكري عن هذا الوهم هو ما طرحه "فرانسيس فوكوياما" في أطروحته الشهيرة : (نهاية التاريخ والإنسان الأخير) حيث بدا وكأن اللحظة الليبرالية الأمريكية تمثل نهاية المسار الإنساني بذاته وماهيته ! وفاته أن التاريخ في عناده الدائم يُظهر أن ما يُعلن كنهاية لا يكون إلا ذروة مؤقتة تسبق تحولات جديداًة .

ومن هنا يبرز السؤال الأكثر أهمية والأوجه منطقية :
هل كانت هناك امبراطوريات في التاريخ فاقت في "معايير عصرها" ما تمثله الولايات المتحدة الأمريكية اليوم ؟
وفي هذا الصدد يجب ألاَّ ننسَ أن في الذاكرة العربية والاسلامية نموذجاً حاضراً هو الملك "ذو القرنين" اليماني العظيم بوصفه ملكاً امتلك من القوة والتمكين ما لم تبلغه امبراطورية قديمة أوحديثة مطلقاً .
فقد ارتبط اسمه برحلات كونية إلى "مغرب الشمس ومطلعها" وبفعل حضاري عظيم تمثل في بناء سدٍ هائلٍ لا نظير له ولت مثيل وذلك لدرء خطر "يأجوج ومأجوج" عن البشرية ولأجيال مديدة ، ذلك الخطر لا يقل عن خطر السلاح النووي وأخواته الكيميائية والجرثومية .

وهذا النموذج اليماني لا يُقرأ فقط كقصة دينية بل كرمزٍ حيٍّ لامبراطورية بلغت أقصى حدود العالم المعروف آنذاك وسيطرت وفق تصور عصرها سيطرت على المشارق والمغارب .
وفي السياق اليمني القديم برزت حضارات مثل سبأ وحِمير اللتان امتلكتا قدراتٍ فنية وهندسية وعلمية وحضارية وتنظيمية مثيرة وخارقة تجلى بعضها في إقامة الدول والممالك وبناء المؤسسات العتيدة ناهيك عن السدود العظيمة ونحت الجبال وتطويع الطبيعة .
فهذه النماذج اليمانية تعكس نوعاً مختلفاً من القوة والسيطرة على البيئة وتسخير الطبيعة وابتكار الجديد وليس فقط السيطرة على "الجيوسياسيا" كما هو الحال مع امبراطورية البيت الأبيض .
وبالتالي فإن المقارنة المباشرة بين : "إمبراطوريتين "تاريخية وحديثة"  ليست  سوى مقارنة نوعية وليست كمية في مفهوم القوة ذاتها .
فأمريكا تمثل قمة القوة التقنية والعسكرية في العصر الحديث ، لكنها لم تبلغ بعد مرتبة "الرمز الكوني الذي يختلط فيه "التاريخ بالميتافيزيقا" وتخطه الكتب السماوية بين سطورها وفي بطونها كما في نموذج الملك العظيم ذي القرنين .
وإذا كانت أمريكا تحكم العالم لكن ذي القرنين في المخيال الحضاري كان يحكم العالم ومعناه .

إن أخطر وأهم ما تروّجه الامبراطوريات المعاصرة هو أنها نهاية التاريخ بينما يعلمنا التاريخ نفسه أن كل قوة مهما بلغت ليست إلا لحظة عابرة في مسار أطول بكثير !
فما يبدو اليوم مطلقاً قد يصبح غداً مجرد فصل في كتاب الإمبراطوريات المنسية .

ويبقى السؤال :
أكو عرب ؟ !