مخالفات تستوجب التنبيه… حين يتحول الإجراء إلى جريمة
بوصفي أحد ضباط الشرطة، وبحكم المتابعة الميدانية، لوحظ في أكثر من واقعة قيام بعض الوحدات الأمنية بإتلاف الأسلحة الشخصية المضبوطة – كقطع السلاح الآلي إلى نصفين – بحق أشخاص ضبطوا وهم يحملون السلاح دون ترخيص.
وهنا لا بد من الوقوف بحزم أمام هذا السلوك، لأنه – وبصريح النص – مخالفة قانونية قائمة بذاتها.
القانون رقم (40) لسنة 1992م بشأن تنظيم حمل الأسلحة النارية والذخائر والاتجار بها لم يترك مجالاً للاجتهاد في هذا الشأن، بل رسم مساراً واضحاً لا يقبل التأويل:
القضاء وحده هو المختص بتوقيع العقوبات، والنيابة العامة هي الجهة التي تتولى التحقيق وتحريك الدعوى وفق قانون الإجراءات الجزائية.
أما ما يُمارس من إتلاف مباشر للأسلحة في الميدان، فهو تجاوز صريح لمبدأ المشروعية، وتعدي على اختصاص القضاء، لأن القانون لم يقرر – لا صراحة ولا ضمناً – عقوبة “تكسير السلاح” أو “إتلافه” بهذا الشكل.
العقوبات المقررة محددة وواضحة:
غرامة، أو حبس لا يتجاوز سنة، وفي بعض الحالات المشددة المصادرة بحكم قضائي.
والمصادرة هنا إجراء قضائي منظم، وليس تصرفاً ميدانياً يُنفذ بلا سند.
والأخطر من ذلك أن إتلاف السلاح يُعد في ذاته إهداراً لمالٍ محل نزاع قبل الفصل فيه قضائياً، وقد يكون هذا السلاح محل دفاع أو دليل أو حق، مما يجعل هذا التصرف عرضة للطعن والمساءلة.
كما نُذكّر أن تنظيم حمل السلاح في الأماكن العامة لم يُترك للأمزجة أو التقديرات الشخصية، بل قيده القانون وحدد حالاته، سواء في عواصم المحافظات أو المدن التي يصدر بتحديدها قرار من وزير الداخلية، أو في مناسبات معينة.
وبالتالي، فإن حظر الحمل أو ضبطه أو معاقبة حامله يجب أن يتم في إطار النصوص، لا خارجها.
قد يُبرر البعض هذه التصرفات بدافع الردع أو الحفاظ على الأمن، لكن الحقيقة التي لا تقبل الجدل هي:
لا يُواجه الخطر بخطر أكبر منه.
فمخالفة القانون تحت ذريعة تطبيقه تُفقد الدولة هيبتها القانونية، وتحوّل الإجراء من وسيلة لحماية النظام العام إلى سبب في تقويضه.
إن فرض عقوبات ميدانية دون تحقيق، ودون محاكمة، ودون حكم قضائي، هو انحراف خطير عن مسار العدالة، مهما كانت النوايا.
الواجب اليوم – وبصورة عاجلة – هو تصحيح هذه الممارسات، والتقيد الصارم بالإجراءات القانونية، واحترام حدود الاختصاص، لأن الضابط الذي يحترم القانون لا يضع نفسه فوقه.
فالعدالة لا تُبنى بالقوة…
بل تُبنى بالإجراء الصحيح.
والقانون لا يُحمى بتجاوزه…بل بتطبيقه
ودمتم .


