إسم الجلالة يوحدنا: نحو استعادة رمزية الدولة في اليمن
بقلم: ا.د. سمير الشرجبي
اكاديمي يمني
حين تولّى الرئيس الشهيد إبراهيم الحمدي قيادة اليمن، لم يبدأ بإلقاء الخطب أو رفع الشعارات، بل اتخذ قرارًا بسيطًا في شكله عميقًا في معناه: إنزال صور الحاكم من المؤسسات والمرافق العامة، واستبدالها برفع اسم الجلالة "الله جل جلاله". في تلك اللحظة، لم يكن يغيّر ديكور الجدران، بل كان يعيد تعريف الدولة نفسها، ويضع حدًا مبكرًا لثقافة تقديس الأشخاص، مؤكدًا أن السلطة وظيفة وليست امتيازًا، وأن الوطن لا يُختزل في صورة أو فرد مهما كان موقعه.
ولم يتوقف هذا التوجه عند الرمزية البصرية، بل امتد إلى الخطاب الرسمي، حين ألغى الألقاب الطبقية والتعظيمية مثل "السيد" و"الشيخ" و"حضرة" و"أفندم"، واستبدلها بلقب "الأخ"، في رسالة واضحة مفادها أن اليمنيين متساوون، وأن الدولة لا تقوم على تراتبية اجتماعية أو سلالية أو نفوذ شخصي، بل على المواطنة والعدل وخدمة الناس.
اليوم، وبعد عقود من تلك اللحظة المفصلية، يبدو أن اليمن لا يعيش فقط تراجعًا عن ذلك المشروع، بل انزلاقًا إلى واقع أكثر تعقيدًا وخطورة، حيث عادت ثقافة الشخصنة بقوة، ولكن بصيغ متعددة ومتناقضة. ففي مناطق سيطرة الحوثيين، لم تعد المسألة مجرد صور لقيادة محلية، بل تحولت إلى منظومة كاملة تُرفع فيها صور الخميني وخامنئي وحسن نصر الله إلى جانب عبدالملك الحوثي، في الفضاء العام، في الشوارع والمدارس والمؤسسات، بما يعكس مشروعًا يتجاوز حدود الدولة الوطنية، ويعيد تشكيل الوعي والولاء باتجاهات خارج إطار اليمن.
وفي مناطق أخرى، تتجلى ظاهرة موازية لا تقل خطورة، تتمثل في رفع أعلام ورموز الانفصال، وتعليق صور قيادات مرتبطة بمشاريع سياسية تسعى إلى إعادة تعريف الجغرافيا اليمنية خارج إطار الدولة الواحدة، وهو ما يعمّق حالة الانقسام ويُكرّس تعدد الهويات داخل الوطن الواحد. وبين هذا وذاك، لا يزال المشهد الرسمي نفسه يعاني من تعدد الرموز داخل القيادة، مع وجود مجلس رئاسي بعدة أعضاء، حيث يُقدَّم كل طرف أحيانًا كرمز مستقل، في صورة تعكس غياب مركزية الرمز الوطني الجامع، وتفتح المجال لمزيد من التشظي في الوعي العام.
هنا، لا تبدو المشكلة في تعدد الصور بحد ذاته، بل في ما تعكسه هذه الصور من واقع أعمق: غياب فكرة الدولة كمرجعية عليا، وحضور بدائل متنافسة تحاول كل منها أن تفرض نفسها كرمز وهوية. وعندما تتعدد الرموز بهذا الشكل، فإن الدولة لا تضعف فقط، بل تفقد معناها تدريجيًا، وتتحول إلى إطار هش تتنازعه المشاريع والولاءات.
من هذا المنطلق، فإن استحضار تجربة الحمدي اليوم ليس نوعًا من الحنين، بل ضرورة سياسية وفكرية. فذلك القرار الذي اتخذه قبل خمسين عامًا لم يكن تفصيلاً عابرًا، بل كان إعلانًا عن أن الدولة لا يمكن أن تقوم إلا إذا تحررت من هيمنة الأشخاص والرموز المتعددة، وتوحدت تحت قيم جامعة لا تقبل القسمة.
ولهذا، فإن الحاجة اليوم باتت واضحة لقرار سيادي يعيد ضبط المشهد، قرار يعيد الاعتبار لفكرة الدولة بوصفها الكيان الأعلى، من خلال اعتماد رمز واحد لا يختلف عليه أحد: رفع اسم الجلالة إلى جانب علم الجمهورية اليمنية فقط، ومنع أي صور أو أعلام أو رموز شخصية أو فئوية في المرافق العامة. مثل هذا القرار، إذا صدر من الأخ رشاد العليمي، لن يكون مجرد إجراء تنظيمي، بل سيكون خطوة سياسية عميقة تعيد توجيه البوصلة نحو الدولة، وتبعث برسالة واضحة بأن اليمن ليس ساحة لتعدد الرموز، بل وطن له رمز واحد وهوية واحدة.
فالمعركة التي يعيشها اليمن اليوم ليست عسكرية أو سياسية فقط، بل هي معركة على الرمز والهوية والانتماء. ولا يمكن لأي دولة أن تستعيد عافيتها في ظل صور متعددة، وأعلام متنازعة، وولاءات متضاربة. ما فعله الحمدي كان تأسيسًا لفكرة الدولة، وما يحتاجه اليمن اليوم هو استعادة تلك الفكرة بروحها لا بشكلها فقط، لأن البديل واضح وخطير: إما أن تتوحد الرموز في إطار الدولة، أو يستمر التشظي حتى يضيع الوطن بين صور الجميع.


