الأطماع الرأسمالية و أكذوبة السلام الدولي

بقلم/ حسين سالم السليماني  

بين مطرقة الأطماع الرأسمالية وسندان الشعارات الدولية المزيفة، يظهر صراع وجودي يتجاوز كونه نزاعاً سياسياً عابراً ليصبح صراع قيم وعقيدة. والسؤال الذي يطرح نفسه أمام شلالات الدماء هو: هل مجلس الأمن هو حارس للسلام، أم مجرد أداة لشرعنة الهيمنة؟  
إن الحروب المعاصرة التي تشنها القوى الكبرى، وعلى رأسها الولايات المتحدة وإسرائيل، تكشف لنا ما يحدث خلف الكواليس من ازدواجية في المعايير وتغول يلتهم مقدرات الشعوب. هذه الحروب تفتقر في جوهرها إلى الشرعية الدولية الحقيقية؛ فمجلس الأمن ليس سوى كيان أسسه المنتصرون في الحرب العالمية الثانية ليمنحوا أنفسهم حق "الفيتو"، محتكرين بذلك القرار الدولي ومعطلين أي إرادة تخالف أهواءهم، حتى وإن حصلت على موافقة الجمعية العامة التي تمثل شعوب الأرض. إنها، في حقيقتها، حرب الأقوياء ضد كل من يجرؤ على مواجهة أطماعهم.  
نحن كمسلمين، نتوجه إلى الله بشكوانا من تغول هذه القوى التي دمرت بلداننا وساهمت في تقويض كل جميل في حياتنا. ومن المدهش أننا نجد من يروج لتلك الدول بوصفها "راعية للسلام"، بينما يخبرنا الحق سبحانه عن حقيقة نواياهم بقوله: "وَلَن تَرْضَىٰ عَنكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ".  

هذا النص القرآني يوضح الأمور؛ فمن لديه الاستعداد للتخلي عن هويته هو من سينال رضاهم. ومن هنا ندرك زيف المصطلحات المعاصرة مثل "الأديان السماوية"؛ فالدين عند الله واحد، ولم ترد كلمة "الدين" في القرآن إلا مفردة، مما يجعل هذا المصطلح أكذوبة تحاول تذويب الفوارق الجوهرية بين التوحيد الخالص ومعتقدات قامت على التشبيه والتجسيد.  

إن التاريخ يعيد إنتاج نفسه بأدوات جديدة؛ فكما كانت طلائع الاستعمار قديماً تمهد الطريق للجيوش عبر الغزو الفكري والديني، يظن البعض اليوم أنه يمكن التعايش مع عقلية إقصائية لم تتغير جذورها. إن الانحدار القيمي في "حضارة المادة" - من إباحية وانحدار أخلاقي يتعارض مع الفطرة - يثبت أن ما يروج له ليس "حضارة"، بل هو انتكاس إنساني مريع.  
لقد شهدت الأرض حروباً دموية قُتل فيها الملايين، وما يحدث في غزة ولبنان والعراق وأفغانستان ليس سوى تجسيد لممارسات الرأسمالية المتوحشة التي تستبيح الثروات وتُسقط الأنظمة دون مسوغ قانوني. إن هذا السباق المحموم نحو السيطرة قد يولد شرراً يتطاير إلى أماكن لا يتوقعونها، وعندها "يقع الفأس في الرأس" وتقوم حروب مدمرة للعالم أجمع.  

إن السير خلف سراب "السلام الدولي" الذي تصنعه الرأسمالية ليس سوى وهم نعيشه، بينما الواقع يصرخ بخلاف ذلك. ويبقى أملنا في قوله تعالى: "كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ ۚ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا ۚ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ".