لا تبكِي على من مات ابكِي على من خفّ عقله !
في زحام الحاضر، وبين تعقيدات الحياة اليومية، تتسلل إلى الذاكرة صورا من زمنٍ لم يكن مثالياً بالكامل، لكنه كان أكثر اتزاناً وانضباطاً، وأكثر وفاءً لقيم العمل والإنسان. زمنٌا لا نبكي عليه من باب الحنين فقط، بل من باب العبرة… لأن الفارق بين الأمس واليوم لم تصنعه الظروف وحدها، بل صنعه الإنسان أيضاً.
لقد كانت بلادنا، في مرحلةٍ مضت، نموذجاً للنظام والبساطة المنظمة. شوارع نظيفة، مؤسسات منضبطة، حدائق غناء ..وقوانين ولوائح صارمة تقص الحديد، لا تُطبق انتقائياً ولا تُترك حبيسة الأدراج.
كان النظام هو القاعدة، وكانت هيبة العمل تنعكس في كل تفا صيله من تفاصيل الحياة اليومية.
كنا نمضي بخطى ثابتة نحو الأمام، لا ارتباك في القرار، ولا فوضى في التنفيذ. الدوام منتظم، والانضباط عنوان المرحلة، بل وكان هناك تقدير حقيقي للجهد من خلال العمل الإضافي، الذي لم يكن مجرد ساعات إضافية، بل كان ثقافة إنتاج واحترام للوقت والمسؤولية.
الحياة كانت أبسط… نعم، لكنها كانت أكثر عدلاً. المواصلات ميسّرة، الأسعار في متناول الجميع، والمعيشة رغم محدودية الإمكانيات كانت تحمل قدراً من الرضا الجماعي. لم يكن الغنى يُقاس بما في الجيوب، بل بما في النفوس من قناعة، وما في المجتمع من تكافل.
ومن أجمل ما يروى عن تلك المرحلة وانا كنت شاهدا على ذالك نظام الحوافز والتقييم. كانت هناك استمارات للمبرزين، تُوثّق فيها كل جهود العامل، بدقة وأمانة، وتُحفظ لدى جهة مسؤولة ترتبط بالنقابة والإدارة. لم تكن مجرد أوراق، بل كانت سجلّاً للإنجاز، ومرآةً تعكس قيمة الإنسان العامل. وفي نهاية كل شهر، يُكافأ المجتهد بحافزٍ مستحق، يشعره بأن جهده لم يذهب سدى.
بل إن روح التنافس كانت حاضرة، لكنه تنافس شريف… تنافس على الإنتاج، على العطاء، على الإبداع. وكان لقب بطل الإنتاج الذي يُمنح سنوياً في عيد العمال (الأول من مايو)، حلماً مشروعاً لكل عامل، ورمزاً للفخر والانتماء.
ولعل أجمل ما في تلك الأيام، ليس فقط ما تحقق من إنجازات، بل تلك الروح الإنسانية التي سادت بين الناس. زمن التعاون والتكاتف… زمن كنا نتقاسم فيه رغيف الخبز، ونجتمع تحت ظل شجرة المريمره في ساحة العمل، نتبادل الحديث، ونستعيد طاقتنا، ونؤكد دون شعارات أن العمل الجماعي هو سر النجاح.
وكان ذلك الزمن أيضاً زمن الأمن والأمان والسلام… زمنٌ ترى فيه المسؤول الكبير يمشي في الشارع دون حراسة مشددة، لا يحيط به إلا شخص أو اثنان، يختلط بالناس بثقة، ويسير بينهم بلا خوف. لم تكن مظاهر القوة تُقاس بعدد المرافقين، بل بهيبة القانون وعدالة الدولة.
كان زمناً بلا سلاح في أيدي الناس، زمناً لا تُسمع فيه كلمات بلطجي أو ظالم أو سارق أو فاسد أو غشاش.. كان الانضباط قيمة عامة، وكان الجميع يدرك أن هناك دولة… دولة يُحترم نظامها، ويُخشى قانونها، ويا ويل من يعصيها
حتى تفاصيل الحياة اليومية كانت تعكس هذا التوازن؛ كان تناول القات محدوداً، مرتين في الأسبوع، لا يطغى على العمل ولا يعطل الإنتاج. كانت البساطة عنوان الحياة، والتواضع سمة الناس، فلا تكلف ولا مبالغة، بل عيش كريم يسوده الاحترام المتبادل.
ومن الحقائق التي قد تبدو صادمة للبعض اليوم، أن كثيراً ممن قادوا تلك المرحلة سواء كانوا سلاطين أو رؤساء لم يكونوا يحملون شهادات جامعية عالية، ولا ألقاباً أكاديمية رنانة. كان أعلى ما لدى بعضهم تعليم متوسط أو دبلوم بسيط، لكنهم امتلكوا ما هو أهم من الشهادات الحكمة، والهيبة، والنزاهة وحب الوطن والقدرة على إدارة الدولة بروح المسؤولية.
في المقابل، نعيش اليوم زمناً ازدحمت فيه الألقاب دكتوراه، ماجستير، بروفيسور… لكن السؤال الذي يفرض نفسه أين أثر هذه الشهادات على واقع الناس؟
لقد كثرت البحوث والرسائل العلمية، لكننا نادراً ما نسمع عن بحثٍ غيّر واقع المجتمع، أو دراسةٍ ساهمت في حل مشكلة حقيقية يعيشها الناس.
وهنا لا نقلل من قيمة العلم، فالعلم أساس التقدم، لكن المشكلة ليست في الشهادات… بل في غياب توظيفها لخدمة المجتمع. فالشهادة التي لا تنعكس على الواقع، تظل حبراً على ورق، مهما كان بريقها.
إن المقارنة بين الأمس واليوم ليست لإدانة الحاضر، ولا لتقديس الماضي، بل لفهم أين كنا… وأين أصبحنا… وماذا يجب أن نصحح وعلينا أن نستفيد من الماضي لنتجاوز أزمات الحاضر والوصول إلى مستقبل آمن
لسنا بحاجة إلى المزيد من الشهادات فقط، بل إلى عقولٍ تُحسن استخدام العلم، وقيادات تربط المعرفة بالواقع، ومؤسسات تُحوّل الأفكار إلى إنجازات ملموسة.
فلنُحسن قراءة الماضي… لا لنبكي عليه، بل لنبني به مستقبلاً يليق بنا.


