حين خان الفرسُ التاريخ فأنقذه مسيلمة - وأسقط "أكو عرب"؟!

ليست كل اللحظات التاريخية تُقرأ بـ ظاهرها، ولا كل الشخصيات تُفهم من خلال عناوينها الكبرى. فـ ثمة لحظات تختبئ فيها المعاني الحقيقية خلف ضجيج العقائد، وتظهر فيها الغرائز العميقة للأمم حين ينهار السطح وتتكشف البنية.
ما حصل بعد وفاة النبي محمد ﷺ لم يكن مجرد فراغ ديني أو اضطراب سياسي؛ بل كان – في جوهره – لحظة انكشاف سِتراتيجي للعرب كـ جسد تاريخي مفتوح على كل احتمالات الاختراق.
فـ في تلك اللحظة الحرجة تحرك الفرس لا - كـقوة مهزومة بل كـحضارة خبيرة بفن العودة من الهزائم - !
صحيحٌ أن الفرس كانوا تلقوا ضربات موجعة؛ بهزيمتهم أمام الروم في "أدنى الأرض" وهو نفس المكان الذي حصدوا فيه انتصاراً على الروم قبل بضع سنين "من تلك اللحظة" ومرورا بـ صفعة "ذي قار" التي كسرت ولأول مرة هيبة الإمبراطورية أمام "قبائل عربية" .

وهنا ينبغي الإشارة إلى أخطاءٍ فادحة يقع فيها الكثير عند قراءة التاريخ، ومن أعظم تلك الأخطاء وأشدها فتكا "الاعتقاد بأن هزيمة قومٍ قد يُنهي الطموح لديهم"!
وهذا ما انطبق على الفرس حينها حيث لم يتراجعوا بعد الهزيمة من الروم والصفعة العربية التي تلتها؛ بل أعادوا التموضع وأعادوا قراءة اللحظة بنظرة ثاقبة لخّصت لهم المشهد العربي ضمن المعطيات التالية:
(وفاة النبي، إضطراب القبائل، موجةَ رِدّة عارمة، ظهور متنبئين، تباين حول الإمارة، اهتزاز المركز، وجهات نظر مختلفة حول الزكاة، مهاجرون وأنصار، قريش والقبائل العربية).

وبناء على هذا المشهد وللتعامل معه وضع الفرس وبشكلٍ عاجلٍ خِطتهم وكانت تحت عنوان: "إختراق العرب من داخلهم، لا غزوهم من خارجهم" والمكونة من شقين:
-الأول: إنتاج نُبوّة خاصة وعبر "سجاح" ثم دعمها بكتلة جُندٍ فارسيةٍ ضخمة "أربعين ألف مقاتل" كأتباعٍ، ولِتُشكل تلك الكتلة ذراعاً سياسياً وعسكرياً ممتداً من العراق نحو قلب الجزيرة العربية .
-الثاني: إحتواء القوة العربية المتمردة ممثلة بمسيلمة، وليس لأن مسيلمة حينها كان القوة الأخطر فقط،
بل كونه يمتلك مشروعًا سياسيًا وعسكريًا جاهزًا للانقضاض على المدينة. 
وظهرت العبقرية والمأسسة في الخطة الفارسية بتلخيصها للسيناريو ضمن
المعادلة التالية :
{{تحالف داخلي + شرعية دينية بديلة + قوة عسكرية = إسقاط المركز العربي وإعادة تشكيل الجزيرة تحت نفوذ غير عربي}}.. 
ولكن الذي لم يُحسب حسابه من قبل الفرس في تلك المعادلة هو "الغريزة" العربية وليس العقيدة ولا السياسة.

إنها الغريزة العميقة التي تسكن الوعي الجمعي للأمم !
في تلك اللحظة ظهر مسيلمة لا كـنبيٍ كاذبٍ بل كـكاشفٍ تاريخيٍ وأستاذٍ في الصراعات الدولية !.
لقد فهم الرجل وبدهاء فطري أن التحالف مع الفرس ليس مجرد صفقة عسكرية، بل بوابة لابتلاع العرب أنفسهم؛ وأن النصر بمشاركة قوة خارجية، هو في حقيقته هزيمة مؤجلة..
فماذا فعل ؟
لم يرفض بالطبع لكنه لم يقبل أيضا !!
بل اخترع منطقة رمادية أربكت الخطة الفارسية بل وأفشلتها! فبداية طلب لقاء سجاح " النبية" ثم دخل قمة إستثنائية معها أسفرت عن زواجه منها مع تقديم تنازلات شكلية ليس غير.
وبخطته المضادة تلك أعاد توجيه الحدث كاملاً بالخطوة الذكية. وفي لحظة تبدو للبعض "هزلية" في ظاهرها لكنها كانت في عمقها أعنف ضربة مضادة لأقبح مشروع اختراق خارجيٍّ. 
 فمسيلمة بتلك الخطوة فكك التحالف دون حرب وسحب الذريعة دون مواجهة وأعاد القوة الفارسية إلى خارج المعادلة وأبطل فاعليتها بذكاء سياسي "لم يُدرّس ولم يُحَلَّل" مع الأسف بالشكل المطلوب.
والأهم من ذلك أن مسيلمة اتخذ قرارًا قومياً ووجوديًا وتاريخيا نصّ على:
لـَ "أن يُهزم على يد العرب أحب إليه من أن ينتصر مع الفرس".
وهنا وعلى ضوء هذا تكمن القنبلة المعرفية:
((ليس كل من قاتل الإسلام كان غافلًا عن معنى الأمة، وليس كل من رفع راية الدين كان واعيًا بمخاطر الإختراق))!
وبرغم كل ما يُقال عن مسيلمة فإنه أدرك ما لم يدركه كثيرون بأن:
"الفرس لا يبحثون عن نبيٍ بقدر بحثهم عن مَنفذٍ ولا عن عقيدةٍ بقدر بحثهم عن هيمنةٍ"!.

من هنا لا يمكن قراءة الحادثة كـ فصل من "حروب الردة" فقط، بل كـ أول مواجهة استخباراتية مبكرة بين مشروع عربي يتشكل وبين مشروع فارسي يتسلل!.
يبقى السؤال الذي لا يزال معلقًا حتى اليوم:
هل لا تزال تلك "الغريزة" حيّة؟
أم أن مسيلمةَ كان آخر من امتلكها؟!