كيف تتكيف مع الأمور الغريبة؟

في نهاية شهر يونيو من عام 2025، وبداية موسم فصل الخريف، كانت رحلتي من مطار جدة الدولي مباشرةً إلى مطار صلالة الدولي.وعند وصولي، توجهت من المطار إلى إحدى شركات تأجير السيارات في المطار، والتي أعرفها منذ أربع سنوات. كان الوقت مساءً، وكنت على عجل للحاق بالسوبرماركت، ولم أجد لديهم إلا سيارة واحدة في الموقف ، وتبيّن عند الاستلام أن شبابيكها مظللة بشكلٍ معتمٍ جدًا، وأنا لا أُحبذ ذلك. لقد كان الموسم مزدحمًا، ويُعد الأطول، حيث استمر إلى نهاية شهر سبتمبر. لكنني كنت محظوظًا خلال تلك الرحلة، إذ التقيت بمجموعة جديدة من الأصدقاء المثقفين الذين كانوا يتمتعون بخبراتٍ غنية في الحياة خلال مسيرتهم المهنية؛ حيث تستطيع مشاركتهم ألافكار، والاستفادة من بعض الجوانب المهمة أثناء النقاشات. ولقد تعلمت الكثير من هؤلاء خلال العامين الماضيين، حيث أجريت العديد من الحوارات الثرية في مختلف المجالات التاريخية والجغرافية والإنسانية، وفي  العادات والتقاليد والحياة العامة. وكان النصيب الأكبر من نقاشاتنا المفضلة يتمحور حول الاستثمار والتكيف مع الأوضاع التي تحدث، وكانت طاولة القهوة تجمعنا على الدوام. 

وعند نهاية شهر سبتمبر، كانت وجهة سفري الأخرى إلى كوانزو، في جمهورية الصين الشعبية، لحضور المعرض الدولي للصناعات العالمية. وعند عودتي ليلآ من الفندق إلى المنزل، كانت الأمطار غزيرة، مع وجود رطوبة عالية جدًا، وغيوم كثيفة، كما أن تضليل نوافذ السيارة أثّر على الرؤية عندي، فاصطدمت العجلة بالرصيف، وكلفني ذلك دفع قيمة إيجار يومين إضافيين، وهذا يُعد لشركات التأجير فرصة سانحة عند حدوث مشكلة بسيطة؛ إذ يكون أمامك خياران: إما خسارة الرحلة، أو دفع مبلغ مالي غير متناسب مع ما حدث. وبالنسبة لي، كان الوقت ضيقًا وغير مناسب للتفاوض، كما أن إقلاع الطائرة إلى وجهتي كان قريبًا جدًا، ورحلة إلى الصين تستغرق قرابة عشر ساعات عبر دبي. ولهذا، كان الكتاب هو الرفيق الدائم في أسفاري، أو أثناء احتسائي القهوة لوحدي في الكوفي شوب. ولذا، اكتسبت المرونة والتكيف في مختلف البيئات المتنوعة التي أذهب إليها أو أعيش فيها، بصرف النظر عن التغيرات البيئية أثناء انتقالي من بلدٍ إلى آخر.وعند قراءتي،
لاحد الكتب صادفني موضوع عن التكيف في البيئات المختلفة عند مواجهة الغرباء، وعن ضرورة التغيير، وكيف تعيش عندما يتعلق الأمر بالانفتاح على ثقافة أخرى أو نظام سياسي مختلف. وكان سؤالي: هل تقبل التكيف والتواصل مع تلك الأمور الغريبة التي تحدث، ولا تمت إلى ثقافتك وثقافة بلدك بصلة؟ وهل عندما تختلط بتلك الشعوب والثقافات المختلفة، التي تخطّت بلدك وثقافتك، تشعر في داخلك بالمهانة بسهولة بسبب تأخرها عن ركب التقدم لتلك الأمم؟

هذه الأسئلة كلها مرتبطة ببعضها. وعندما جلست في مقعدي في الطائرة المتجهة إلى كوانزو، كان بجانبي أحد رجال الأعمال الصينيين ، العائد ين من البيرو وكولومبيا، كان في رحلة عمل. تحدثنا عن عملية التكيف، وهل تستطيع كل الثقافات التعامل مع الغرباء، وتقديم التنازلات، وتعلم كل ما يمكن تعلمه منهم في أقرب وقت ممكن، كما فعلت اليابان التي كانت منغلقة على نفسها.

كان الرجل متحدثًا بارعًا، يملك مخزونًا ثقافيًا وتاريخيًا واسعًا، وضرب مثالًا على ذلك بالصين؛ إذ قال: كانت الصين، لقرونٍ عديدة في الماضي، تُعد المحور الذي تدور حوله الممالك الآسيوية الأخرى، وكانت كالشمس الساطعة لذلك الزمان. ولكن في أربعينيات القرن التاسع عشر، ذاقت ظلم الإمبريالية البريطانية، التي امتدت حتى الهزيمة والغزو الياباني لها، ويُعد ذلك القرن، كما يسميه الصينيون، "قرن المهانة". وعند الانفتاح على العالم في سبعينيات القرن العشرين، استخدمت الصين تاريخها لصياغة مستقبلها، عندما أدركت أنها تعثرت ووقعت في حفرة التخلف والفقر وعقودٍ من العزلة. ولهذا، بعد الانفتاح على العالم، مدّت الصين يدها إليه لتتعلم كل ما تستطيع تعلمه، من أجل التكيف واللحاق بركب الأمم، واستعادة عظمتها ومكانتها التاريخية، بقيادة دنغ شياو بينغ في عام 1978، حيث تبنّت سياسة "الإصلاح والانفتاح"، متخليةً عن العقائدية لصالح البراغماتية الاقتصادية، والتعلم من الخبرات العالمية، لتقود العالم في الإنتاج والتكنولوجيا والتعليم.