كيف يحمينا الوحي من "تآكل" المجتمع؟!
بقلم: _منصور بلعيدي_
في رحاب النص القرآني، لا تأتي الكلمات لمجرد الوعظ، بل ترسم خارطة طريق دقيقة لحماية السلم الاجتماعي ونقاء السريرة.
وفي وقفة تأملية مع الآية الكريمة من سورة الحجرات:
(يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض الظن إثم ولا تجسسوا ولا يغتب بعضكم بعضا أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا فكرهتموه واتقوا الله إن الله تواب رحيم.)
يضعنا القران الكريم أمام "سلسلة السقوط الأخلاقي" التي تبدأ بالظن وتنتهي بنهش الأعراض، وكيف عالج القرآن هذه الآفات بصور بلاغية تقشعر لها الأبدان.
التسلسل السلبي: من الظن إلى الغيبة
أن الآية الكريمة لم ترتب النهي اعتباطاً، بل جاءت وفق هندسة سلوكية دقيقة؛ فالبداية دائماً من "الظن".
* سوء الظن: هو الشرارة الأولى، وحين أمر الله باجتناب "كثير" من الظن لأن بعضه إثم، وضع قاعدة ذهبية: أن درء القليل من الحرام يستوجب ترك الكثير من المباح حمايةً للنفس.
* التجسس: هو النتيجة الحتمية لظن السوء، فمن أساء الظن بغيره، قاده فضوله المرضي إلى التجسس لتأكيد شكوكه.
* الغيبة: هي المحطة الأخيرة، فبعد التجسس والعثور على العثرات، تأتي الغيبة لتنشر هذا القبح في المجالس.
بشاعة الصورة.. لماذا؟
يتساءل الكاتب: لماذا اختار الخالق سبحانه صورة "أكل لحم الأخ ميتاً" لوصف الغيبة؟
الإجابة تكمن في "سهولة الفعل"؛ فالغيبة باتت تُعرف بـ "فاكهة المجالس"، وهي يسيرة على اللسان، ثقيلة في الميزان. ولأن الفعل القبيح إذا استسهله الناس احتاج إلى زجرٍ بصورة شديدة البشاعة تنفر منها الفطرة السليمة.
*"كلما كان الفعل القبيح أسهل، كلما احتاج الوحي إلى التنفير عنه بصورة أشد وأقسى ليرتدع الضمير الإنساني."*
لماذا "ميتاً"؟
في لفتة بلاغية عميقة، يوضح المقال أن وصف "الميت" هنا ليس مجرد زيادة في البشاعة، بل هو تشخيص لواقع الحال. فالمُغتاب (بفتح التاء) غائب لا يملك القدرة على الدفاع عن نفسه أو رد التهمة، تماماً كالميت الذي لا حول له ولا قوة.
فكأن المغتاب يستغل عجز أخيه لينهش في عرضه.
إنها دعوة لإعادة النظر في ألسنتنا وما تخفي صدورنا.
إن القرآن الكريم لا ينهانا عن الغيبة كفعل معزول، بل يطالبنا بقطع الطريق من بدايته: طهروا ظنونكم، تسلم مجتمعاتكم.
مرفأ قلم:
إحفظ لسانك ايها الانسان.
لايلدغنك انه ثعبان


