للغارقين باستثمار الألم!!

تعز اليوم تلبس حزنها كمدينة موجوعة بعد أن خطفت سيول الأمطار طفلين من بين أحضان الحياة ، لتترك في القلوب وجعاً لا يحتمل ، وسواداً يخيم على الوجدان الجمعي لكل أبنائها ، فاجعة إنسانية هزت الضمير ، وتوحدت فيها مشاعر الناس بين حزن صادق ودمعة لا تجف

لكن في خضم هذا الألم ، برزت أصوات حاولت أن تحمل المأساة أبعاداً سياسية ، وتحول الفاجعة إلى ساحة اتهام وتنكيل ، في مشهد يجافي أخلاق الألم ، ويبتعد عن جوهر المسؤولية ، فليس من الإنصاف أن تستغل دموع الأمهات لتصفية الحسابات ، أو أن تتحول الكارثة إلى منصة للمكايدات ، وكأن دموع الأمهات تصلح وقوداً للمكايدات ، هنا تتجلى قسوة أخرى ليست في السيول ، بل في تحويل المأساة إلى مادة للاتهام والتنكيل ، بعيداً عن إنصاف الحقيقة

الحقيقة وإن كانت مُرة ، فهي ألم جلل ، إذ لا يمكن إنكار أن المسؤولية لا تقع على جهة واحدة ، بل تتوزع بين تقصير محتمل في بعض الجوانب ، وبين سلوكيات مجتمعية خاطئة أسهمت في تعميق الخطر ، كإزالة الحواجز الحديدية التي وضعت لحماية الأرواح من مجاري السيول ، وفي غياب وعي كاف بخطورة العبث بمثل هذه الإجراءات

السلطة المحلية رغم ما قد يعتري الأداء من نواقص ، تبذل جهوداً ملموسة في ظل ظروف معقدة ، ولا يجوز أن تقابل تلك الجهود بحملات تشويه أو دعوات إقصاء متسرعة ، تفتقر إلى التوازن والإنصاف ، فالنقد الحقيقي هو ما يبنى على تشخيص موضوعي ، لا على انفعال عابر أو توظيف مغرض

إن تعز وهي تنزف ألماً ، بحاجة إلى خطاب يعيد ترتيب الأولويات ، ويعلي من شأن التوعية المجتمعية ، ويؤسس لثقافة مسؤولية مشتركة ، تدرك أن حماية الأرواح تبدأ من وعي الفرد ، كما تستكمل بجهد السلطات ، فالمأساة ليست ميداناً للخصومة ، بل نداء جماعي لأن نكون أكثر وعياً ، وأكثر رحمة وأكثر صدقاً مع أنفسنا

إن تعز وهي تغتسل بدموعها تحتاج إلى خطاب أصدق يعيد الاعتبار لقيمة الإنسان ، ويؤسس لوعي يحمي ما تبقى من أرواح ، نحتاج أن نرتقي من ردة الفعل إلى الفعل ، من جلد الذات إلى إصلاحها ، ومن استغلال الألم إلى صونه.

فلنكتب هذه المأساة بمداد الوعي لا بالحقد ، ولنحول الفاجعة إلى درس لا ينسى ، نحسن فيه حماية أبنائنا ، ونجيد فيه احترام وجعنا ، ففي حضرة الفقد ، لا مكان للمزايدات ، بل للمسؤولية ، وللضمير ، ولإنسانية لا تخون دمعة أم

فلنضع النقاط على الحروف ، ولنتجه جميعاً نحو نقد بناء ، يداوي الجرح بدل أن يوسعه ، ويصون كرامة الألم بدل أن يستثمره ، ففي لحظات الفقد ، لا يليق بنا إلا أن نرتقي أو نصمت