الرئيس السادات.. حين ينتصر القرار على الشعارات

ليست كل الدول التي تدخل الأزمات قادرة على الخروج منها فبعضها ينهار تحت ثقل الشعارات! وبعضها يتآكل في انتظار المعجزات!.
 غير أن التاريخ يقدّم لنا بين الحين والآخر نماذجاً مختلفةً وفي دولٍ متباينة.
فهناك من الدول من تبلغ حافة الانسداد الكامل ثم تعود إلى الحركة بقرارٍ واحد، تقوده قيادة تدرك أن السياسة ليست خطابة فحسب أو شعارات وصراخ! بل اختيارٌ حاسم في لحظة حرجة.
ففي سبعينات القرن الماضي كانت مصر نموذجا صارخا لاختناق تاريخي وانسداد أفق سياسي.
فبين أراضٍ محتلة تقارب 60 ألف كيلومتر في سيناء وجيش خرج من هزيمة قاسية في ظل نظام دولي منحاز للكيان الصهيوني وبنفس الوقت عمق عربي عاجز عن تقديم ما يكفي لتغيير المعادلة.
حينها كانت الدولة المصرية معلّقة بين ثلاثيات قاتلة: "لا تحرير كامل، لا سلام ممكن، ولا سند إقليمي حاسم".

ووسط هذا الانسداد، برز الزعيم التاريخي الراحل محمد أنو السادات بوصفه "رجل الإ نقاذ" لا مجرد رئيس دولة.
فقد أدرك أن حرب أكتوبر 1973 م لم تكن حرب تحرير نهائي، بل "حرب تحريك" تكسر الجمود وتعيد فتح المسار السياسي.
ومن هذه الزاوية لم تكن المعركة نهاية الصراع بل بدايته الحقيقية.
وبالتأكيد فإن السادات قرأ المشهد ببراغماتية صادمة لكثيرين؛ فقد قرأ ورأى بأن استمرار الحرب وفق المعادلات القائمة يعني استنزافا بلا أفق وأن الجمود أخطر من التنازل المحسوب.
لذلك انتقل من منطق الشعارات إلى منطق النتائج ومن إدارة الأزمة إلى تفكيكها حتى وإن كلّفه ذلك مواجهة الداخل قبل الخارج.
فكانت ذروة ذلك التحول في مسار السلام حيث اختار السادات أن يعيد تعريف مفهوم الانتصار كالآتي:
ليس بالضرورة أنه يكون سحق الخصم بل قد يكون استعادة الأرض وتثبيت الدولة وإنهاء حالة اللا حرب واللا سلم.
وبهذا تحوّل القرار السياسي إلى أداة استراتيجية لا تقل أهمية عن القوة العسكرية.

لقد أخرج السادات مصر من عنق الزجاجة حينها لا لأنه امتلك كل عناصر القوة، بل لأنه امتلك وضوح الرؤية وجرأة القرار.
 فكسر الحلقة المفرغة التي صنعتها الشعارات الجوفاء وفتح مسارا جديدا - وإن كان مثيرًا للجدل - لكنه أعاد الدولة إلى الحركة بعد أن كادت تتكلّس.
غير أن هذا النموذج يطرح سؤالا يتجاوز مصر وزمن السادات وهو:
كم من الدول العربية اليوم عالقة في عنق زجاجة مشابه؟
وكم منها تملك شجاعة اتخاذ القرار بدل الاختباء خلف الضجيج؟

يبقى السؤال:
أكو عرب؟!