الظلم ليس قدراً محتوماً للاستسلام

يستبدُّ الألم بقلوبنا حين نرى سطوة الظلم في أصقاع الأرض، وتكالب القوى على المستضعفين، حتى يهمس اليأس في بعض النفوس: "أين العدل؟". والحقيقة أنَّ المنظور الديني لا يكتفي بالتعاطف، بل يقدم تفسيراً عميقاً يعيد ترتيب المشهد في عقولنا وفق ركائز ثلاث:
الظلم لا يُبطل السنن، بل يؤكدها.

​إنَّ بقاء الظالم وقوته المادية ليست دليلاً على صواب منهجه، بل هي جزء من سنة (الاستدراج) و(الإملاء). فالحق سبحانه يمهل لتقوم الحجة، ولتتمحض الصفوف، ولتظهر معادن الصابرين. إنَّ "تأخر الحساب" في موازين البشر هو "دقة تقدير" في موازين رب البشر؛ فالمجتمعات التي تفرط في أسباب قوتها ووحدتها، تدفع ضريبة كونية لا تحابي أحداً، والظلم هو السوس الذي ينخر في عظام الحضارات حتى تنهار من الداخل.

​اليقين بالعدل المؤجل.
​الدين يعلمنا أنَّ هذه الدنيا ليست (دار جزاء) بل هي (دار بلاء). لو نال كل ظالم عقابه فوراً في الدنيا، لتعطلت حكمة الاختبار. إنَّ إيماننا باليوم الآخر هو الذي يمنحنا التوازن النفسي؛ فالمظلوم الذي لم ينصفه قضاة الأرض، له موعدٌ في "محكمة السماء" حيث لا يضيع مثقال ذرة. هذا اليقين هو الذي يحول بين المظلوم وبين الانكسار التام أو الانحدار لمستوى أخلاق ظالمه.

​فتنة الاستضعاف وتكليف المقاومة
​الظلم ليس قدراً محتوماً للاستسلام، بل هو (ابتلاء للاستنهاض). إنَّ الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم؛ والظلم الخارجي غالباً ما يجد ثغرة في "الوهن الداخلي". التربية الإيمانية تفرض علينا ألا نكتفي بالدعاء، بل بالعمل على امتلاك (أدوات المدافعة) فكرياً ومادياً وأخلاقياً. إنَّ الصمود في وجه الظلم هو بحد ذاته انتصار للقيم، حتى وإن تأخرت النتائج المادية.

إنَّ ليل الظلم مهما طال، فهو محكوم بقاعدة {وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ}. عزاؤنا ليس في سقوط الظالم فحسب، بل في ثباتنا نحن على الحق في زمن التزلزل. فلننشغل ببناء (القوة الراشدة) التي تدفع الظلم، واثقين بأنَّ تدبير الخالق فوق كيد المخلوق.