المهور تحت ركام الحرب..

في وطنٍ أنهكته الجراح وتكاثرت عليه الأزمات لم تعد معاناة اليمنيين تقتصر على لقمة العيش أو استقرار الحياة اليومية، بل امتدت لتطال أبسط الحقوق الإنسانية: حقّ الشباب في الزواج، وحقّ الفتيات في حياة كريمة تُبنى على المودة لا على الأثمان وبين ضجيج الأزمات، يبرز سؤال موجع: متى تحوّل المهر من رمز تكريم إلى قيدٍ يُثقِل الأرواح ويؤجل الأحلام.

لقد ألقت الحرب في اليمن بظلالها الثقيلة على كل تفاصيل الحياة اقتصادٌ متداعٍ، فرصٌ شحيحة، وعملةٌ فقدت استقرارها، ومع ذلك بقيت بعض العادات عصيّة على التغيير، بل ازدادت صلابة في غير موضعها فالمهور بدل أن تنحني أمام واقع الناس، ارتفعت إلى مستويات تفوق قدرة الشباب، وكأنها تعيش في عالمٍ منفصل عن وجع الشارع اليمني ، الأشد مرارة أن هذا الارتفاع لا يخضع لمعيارٍ عادل، بل يتباين بين شمال البلاد وجنوبها، رغم أن العملة واحدة، وهي الريال اليمني ،فكيف يُعقل أن تختلف قيمة الارتباط الإنساني باختلاف الجغرافيا، بينما الأصل واحد، والوجع واحد، والقدرة محدودة.

إن ربط المهور بفوارق سعر الصرف أو الانقسامات القائمة، لا يزيد المشهد إلا تعقيدًا، ولا يورث المجتمع إلا مزيدًا من التأخير والاحتقان،
إن ما يحدث اليوم ليس مجرد تشدد في التقاليد، بل هو انزلاق خطير نحو تسليع العلاقة الإنسانية الأسمى ، فحين يُقاس مستقبل فتاة برقمٍ يُطلب، أو يُؤجل ارتباط شاب لأنه لا يستطيع مجاراة المبالغة، فإننا لا نؤجل زواجًا فحسب، بل نؤجل استقرار مجتمعٍ بأكمله.

وفي خضم هذا الواقع، تقف الفتيات في مفترق طرق صامت؛ ينتظرن فرصًا قد تتأخر، أو تضيع، لا لعيبٍ فيهن، بل لأن شروطًا مادية فُرضت فوق طاقتهن وطاقات من يتقدم لهن ،وهنا تتحول القضية من شأنٍ فردي إلى أزمة اجتماعية، تمتد آثارها إلى بنية المجتمع واستقراره النفسي والأسري.

إن الفخامة الحقيقية ليست في ارتفاع المهور، بل في سموّ القيم، وفي القدرة على التيسير لا التعسير الزواج ليس صفقة تُعقد، بل ميثاق إنساني يُبنى على الرحمة والتكافل، لا على الأرقام والمزايدات وكلما ارتفعت الكلفة، انخفضت فرص النجاح، لأن البداية المثقلة لا تُنذر بنهاية مستقرة.

اليوم وفي ظل هذه التحديات يصبح من الضروري إعادة صياغة الوعي الجمعي: أن تتوحد النظرة إلى المهر في كل أنحاء اليمن، وأن يُفصل عن تقلبات السوق واختلاف المناطق، وأن يُعاد إلى مكانه الطبيعي كرمزٍ بسيط للتقدير، لا كحاجزٍ يمنع الحياة من أن تبدأ.

بنات اليمن لسن سلعة، ولا ينبغي أن يُختزل مصيرهن في رقم إنهنّ شريكات حياة، وأمل مجتمع، وركيزة مستقبل وتيسير الزواج ليس ترفًا، بل ضرورة وطنية، وخطوة أولى نحو ترميم ما أفسدته الحرب، وبناء ما تهدّم من أحلام ،فهل آن الأوان أن نُنقذ ما تبقى من إنسانيتنا، ونُعيد للزواج معناه الحقيقي.