رسائل البراكين إلى قلب الإنسان

في لحظات معينة من عمر الأرض، ينفتح جوفها كصدر يغلي، وتخرج منه نار مودعة منذ آلاف السنين، كأنما الطبيعة ترفع صوتها فجأة لتقول للبشر: قفوا؛ فهنا تتجلّى قدرة الله!

البراكين ليست انفلاتا من غضب الأرض، ولا انفجارا فوضويا بلا عقل؛ إنها جزء من نظام كوني محكم، تعمل وفق سنن دقيقة وضعها الخالق. في ظاهرها رعب، وفي باطنها حكمة، وبين ألسنة اللهب رسائل لا يقرؤها إلا من ألقى السمع وهو شهيد. قال تعالى: ﴿وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا﴾ تخويف رحمة؛ لا تخويف يأس، تذكير؛ لا تدمير. ويا خسارة من يرى الآيات ثم لا يزداد إلا غفلة!

ألا ننظر جميعا إلى هذا الفضاء الواسع المذهل؟! إلى الجبال الراسخة؟! إلى الأرض التي تهتز، والسماء التي تُظلم، والرياح التي تعصف؟! إنها كلها جنود مسخّرة لا تتحرك إلا بإذن الله. قال تعالى: ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ﴾؛ فإذا ثار بركان، أو علت سحابة رماد في السماء؛ فذلك جزء من تدبير ملك لا يُغلب، وربّ لا يُعجزه شيء؛ ولذلك لم يكن المؤمن إذا رأى آية من آيات الله يرتعب كرعشة الضائع؛ بل يخشع ويتفكر. هكذا فعل علي رضي الله عنه حين زُلزلت الكوفة، فقال: "ما هذا إلا رحمة؛ فأين أنتم من التوبة؟"، وهكذا كان ﷺ، يتغير وجهه عند الريح أو السحاب، ويقول: «اللهم إني أسألك خيرها... وأعوذ بك من شرها» قلب رقيق؛ يقرأ رسائل السماء؛ قبل أن يقرأها الناس.

قد يظن البعض أن البراكين شر مطلق؛ لكنها في الحقيقة صمّام أمان، تخفّف ضغط الأرض، وتجدد خصوبة التربة، وتعيد توزيع المعادن. حتى الرماد الذي يرعب الناس يصنع بعد سنوات حياة جديدة. ومع ذلك، تبقى البراكين سؤالا مخيفا: أهي عقوبة أم ابتلاء؟ والجواب: علم ذلك عند الله؛ لكن المؤمن لا ينشغل بالحكم على غيره؛ بل ينشغل بنفسه؛ بالتوبة، بالإصلاح، بمراجعة الطريق. قال تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾؛ ولذلك لا يُغلق باب الرحمة، ولا تنتهي فرصة العودة.

ليس من الإيمان أن نرى البراكين ونكتفي بالخوف والدعاء فقط؛ الله أمر بالأخذ بالأسباب، فقال: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ والإعداد يشمل العلم، والتحليل، والبحث، والتخطيط...

البراكين لها علم؛ لها علامات، وللرماد مسارات، وللغازات مؤشرات. ومن ترك العلم ترك بابا من أبواب النجاة. وقد أثبت التاريخ أن الكارثة لا تقتل وحدها؛ إنما يقتل معها سوء التخطيط، وضعف الإدارة، وانهيار الوعي.

الكوارث لا تُواجه بالأيدي المرتجفة؛ بل بالقلوب المتماسكة. يقول ﷺ: «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشدّ بعضه بعضاً» وفي الأزمات يظهر الصدق، والتكافل، والرجولة، وتظهر أيضا خطورة الشائعات التي قد تفعل ما لا تفعله الحمم.

والوعي البيئي ليس ترفا؛ بل عبادة. قال تعالى: ﴿هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾ ومن عمارتها: حماية بيئتها، وفهم سننها، والاستجابة لحوادثها بعقل راشد.

ما نشهده اليوم من ثوران البركان في إثيوبيا – بعيدا عن التفسيرات السياسية – رسالة بليغة تقول للإنسان: قف! أنت ضعيف مهما بلغت قوتك. قال تعالى: ﴿خُلِقَ الإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾؛ فإذا بلغ عمود النار عنان السماء؛ شعر الإنسان فجأة بحجمه الحقيقي، وأنه مخلوق لا خالق. وثوران البركان يدعو الناس لفهم مخاطره؛ الرماد ليس غبارا عاديا؛ بل دقائق حادة وغازات حمضية قد تهيّج الصدور، وتلوث الهواء، وتحجب الشمس؛ إنه ابتلاء يُقرأ بالعلم؛ لا بالخرافة.

قال تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ وما إن تهتز الأرض حتى يفهم الإنسان هذه الآية بلا تفسير. ويا لغفلتنا عن نعم لا نشعر بها إلا حين نفقدها؛ نعمة الأرض المستقرة، والهواء النظيف، والسماء الصافية، والصباح الهادئ!

إن بركاناً واحدا قادر أن يعلّم الإنسان قيمة كل ما اعتاد عليه دون أن يشكر.

ولنا ثلاث رسائل كبرى من مدرسة البراكين:

الأولى: التفكر؛ أن نقرأ في الكون آيات الله، وأن نفهم أن اهتزاز الأرض ليس مجرد حدث جيولوجي؛ بل نداء.

الثانية: الأخذ بالأسباب, العلم، التحذير، التخطيط، بناء الوعي، حماية الناس؛ كلها عبادات.

الثالثة: الإيمان بالقضاء والقدر؛ أن نعلم أن ما أصابنا لم يكن ليخطئنا، وأن الله ألطف بعباده مما يظنون.

وفي الختام؛ إذا تكلّمت الجبال، وفتح الله أبواب جوف الأرض، فلا يليق بالمؤمن أن يضيع بين الذعر والغفلة؛ بل يقف حيث أراده الله؛ قلب خاشع، عقل متفكر، يد تأخذ بالأسباب؛ فالكون كله بيد من لا تأخذه سنة ولا نوم، ورحمته أوسع من الخوف، ولطفه أقرب مما نتخيل. وهكذا تبقى البراكين رسائل من السماء، تعلّم الإنسان أن يعود إلى الله قبل أن يعود إلى نفسه.

حفظ الله البلاد والعباد من البراكيم والزلازل والمحن والفتن ودمتم سالمين!