رؤية تتقدّم وخارطة تتغيّر: ابن سلمان يرسم ملامح عصرٍ اقتصادي عربي جديد

بقلم: السفير د. محمد قباطي

في لحظة تتغيّر فيها معادلات القوة ومعايير النمو في الشرق الأوسط، تبرز الرياض كعاصمة تقود التحوّل، ويقدّم ولي العهد الأمير محمد بن سلمان رؤية تتجاوز حدود المملكة لتعيد رسم ملامح الاقتصاد العربي لعقود قادمة، في سياق تحولات عالمية تتشابك فيها التكنولوجيا مع السياسة والاقتصاد.

لحظة مفصلية في الشراكة السعودية–الأمريكية
جاءت زيارة ولي العهد السعودي الأخيرة إلى واشنطن لتؤكد أن التحالف السعودي–الأمريكي يدخل مرحلة إعادة تعريف شاملة، تتجاوز الاعتماد التقليدي على الطاقة والأمن، نحو شراكة متقدمة قوامها الابتكار والتكنولوجيا والاستثمارات المشتركة. وتعيد هذه الزيارة إلى الأذهان لحظة «كوينسي» التاريخية، لكنها تأتي اليوم محمّلة بأبعاد أوسع تستجيب لتحولات الاقتصاد العالمي وصراع القوى الكبرى ومخاطر الذكاء الاصطناعي وتغير موازين القوة في الشرق الأوسط. وبهذا المعنى، لم تكن الزيارة مجرد حدث دبلوماسي، بل محطة مفصلية أعادت فيها الرياض تثبيت موقعها باعتبارها الفاعل الأكثر قدرة على الربط بين المصالح الدولية والإقليمية.

استثمارات تعيد رسم الأولويات الاقتصادية
إعلان السعودية عن ضخ استثمارات بقيمة مليار دولار في السوق الأمريكية، ضمن رؤية تقوم على مبدأ الرابح–رابح، يعكس انتقالًا عميقًا في بنية التفكير الاقتصادي السعودي. فهذه الاستثمارات تركز في جزء كبير منها على قطاع التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي وسلاسل الإمداد الرقمية، ما يشير إلى إدراك سعودي متقدم بأن معارك الاقتصاد العالمي المقبلة لن تُحسم في أسواق النفط فقط، بل في فضاءات البيانات والحوسبة والبنى التحتية السيبرانية. وتذهب هذه الخطوة أيضًا إلى إعادة تمكين القطاع الخاص السعودي، ودفعه ليصبح لاعبًا محوريًا في شراكات دولية واسعة النطاق.

اقتصاد الابتكار العربي… من الفكرة إلى البنية
أصبح «اقتصاد الابتكار» حجر الأساس في رؤية السعودية الجديدة، وهو اقتصاد يقوم على تحويل المعرفة إلى قوة إنتاجية، وتوظيف التكنولوجيا في خلق قيمة اقتصادية مضافة تتجاوز محدودية الموارد التقليدية. وفي هذا السياق، تعمل المملكة على بناء منظومة متكاملة تشمل: مراكز ابتكار، جامعات بحثية، مسرّعات أعمال، وصناعات تقنية عالية. ومع توقعات بارتفاع عدد المتخصصين في القطاع التقني إلى نحو 400 ألف خلال سنوات قليلة، تتحول السعودية إلى مختبر اقتصادي عربي قادر على إعادة رسم ملامح سوق العمل، وتعزيز القدرة على استيعاب الصناعات المتقدمة، وخلق بيئة تنافسية تشبه ما فعلته دول شرق آسيا في مراحل صعودها الاقتصادي.

الأمن الإقليمي كأساس للنمو الاقتصادي
لا يمكن لأي نهضة اقتصادية أن تنفصل عن محيطها الجيوسياسي. تدرك الرياض أن استضافة فعاليات كبرى مثل إكسبو 2030 وكأس العالم 2034 يتطلبان بيئة مستقرة، ولذلك تعمل على بناء منظومة سلام إقليمي تشجع الاستثمارات وتحقق الاستقرار. وفي هذا الإطار، أصبحت السعودية في صدارة الجهود الرامية إلى تهدئة النزاعات في المنطقة، وإطلاق مبادرات وساطة، وتعزيز مسارات إعادة الإعمار، وهو ما جعل الولايات المتحدة ترى في الرياض شريكًا محوريًا في تأمين الشرق الأوسط سياسيًا واقتصاديًا.

من إعادة الضبط إلى إعادة التعريف
لم تعد العلاقة السعودية–الأمريكية بحاجة إلى إصلاح، بل إلى إعادة تعريف. فاليوم تقوم هذه الشراكة على أربع ركائز: التكنولوجيا، الأمن، الاستثمار، وإعادة تشكيل الاقتصاد الإقليمي. وقد تناول رئيس تحرير صحيفة *Arab News*، الأستاذ فيصل عباس، هذه المرحلة برؤية ثاقبة، مؤكدًا أن التحول الجاري ليس لحظة عابرة، بل مشروع إعادة بناء كامل للمعادلة الإقليمية والدولية المحيطة بالمملكة. ويكتسب هذا التحليل أهميته في ظل واقع جديد تتداخل فيه المصالح الاقتصادية بالتحولات السياسية الكبرى.

خاتمة: نحو عصر اقتصادي عربي جديد
المشهد الذي يتشكل اليوم من الرياض لا يقتصر على حدود المملكة، بل يمتد ليصنع أفقًا عربيًا جديدًا عنوانه: الاستثمار في المستقبل. ومع صعود التكنولوجيا وتزايد أهمية المعرفة وخفوت دور الاقتصاد الريعي، تبدو السعودية في مقدمة الدول القادرة على قيادة التحول العربي نحو نموذج اقتصادي متقدم. ويبقى السؤال: هل ستكون بقية الدول العربية جاهزة لاقتناص هذه اللحظة التاريخية؟ أم سيدفعها بطء التحرك إلى البقاء على هامش التحولات الكبرى التي بدأت 
ملامحها تتشكل بوضوح