هدية الكويت
بقلم: أ. د.الخضر حنشل
ما أن يمر ذكر الكويت الا ويتبادر إلى ذهني تلك المعالم الباسقة الشاهدة على صدق مشاعر اخواننا في دولة الكويت ، كويت العطاء من غير من ولا أذى.
ومن المؤكد أن هدايا الكويت لبلادنا في تلك الحقبة التي اقصدها وهي مطلع الثمانينات وماسبقها كثيرة ومتنوعة لايتسع المجال لسردها هنا، ولكن أكثر ما علق في ذاكرتي هديتان تركتا في قلبي أثرا لن يجرؤ الزمن على طمس معالمه مهما تطاول ..
الهدية الاولى..
مستشفى الكويت ذلك المبنى الجميل الواقع في الركن الجنوبي من مدينة مودية يتوسد رقعة جغرافية مترامية الأطراف والى جواره يقبع تل جبلي وكانه يحتضنه ويحميه من العواصف وعوامل التعرية،وفي حائط جداره يلحظ الزائل قطعة رخامية مربعة نقش عليها عبارة (هدية الكويت للشعب اليمني الشقيق).
وما أن نتجاوز البوابة الخارجية حتى يقابلنا بهو واسع فيه أشجار مختلفة نجتازه حتى نصل إلى البوابة الداخلية فيقابلنا العم مسرور الحارس الليلي للمستشفى رجل بسيط جمع بين الحزم والود ..لسانه ينثر الأبيات الشعرية ويوزعها على الزائرين ،كان ودودا طروبا يطربك باشعاره البدوية الغزلية ،ولا تحجب نظارته السوداء السميكة عيناه وهما ترقبان الزوار حين يتوافدون بعد الاصيل لزيارة المرضى.
ومع نسمات الأصيل تختلط أصوات الزوار والمرضى والممرضين ويتبادل الجميع المشروبات والأكل في سرور وفرح لم نكن نلمس أنين المرضى ولا شكواهم ،ولم أشاهد في يوم خروج جنازة من ذلك المشفى المبارك طيلة تلك المدة التي ترددت فيها بمعية الزوار في سن الصبا في مطلع ثمانينيات القرن الماضي حتى خيل إلي أن هذا المستشفى مكان للراحة والتنزه.
لقد مضت تلك الأيام ولك أن تتخيل اليوم كيف تبدا حال هذا المستشفى وطاله الهرم، ومن المؤكد أن تلك الوجوه التي رأيتها في المستشفى في ذلك الزمن قد فارقته عنوة إلى أماكن مختلفة .
الهدية الثانية..
صرح علمي يتكون من مبنى جليل مسجى على ربوة تطل على مدينة لودر من الجهة الشمالية،وكانها قلعة حامية ترقب المدينة وتحرسها .. بني ذلك المبنى الجميل من الحجارة السداسية بتصميم غاية في الروعة والجمال
وفي البوابة الرئيسة مدخل واسع تدلف منه نحو باحة واسعة تحفها أشجار كثيفة متلاحمة..ومنها يتجه الزائر نحو مكتب عميد الثانوية يمنيا وتقع نظره على كثير من الحجرات الدراسية المتراصة في انتظام وتناسق،يتوسط المبنى باحة واسعة لممارسة الأنشطة الطلابية ، وفي الجانب الآخر يوجد مبنى فسيح خصص لسكن الطلاب القادمين من الأماكن البعيدة -حاليا كلية لودر- وفي مدخل الثانوية توجود نفس اللوحة الرخامية التي رأيتها في مستشفى الكويت وعليها نقشت العبارة ذاتها - هدية الكويت للشعب اليمني الشقيق-
لم تكن ثانوية لودر متميزة بمبناها الجميل،بل تميزت في كل شي في طاقمها الإداري الفولاذي بقيادة التربوي المرحوم الاستاذ حسين لعور،وطلابها المتفوقين فضلا عن عمالها وحتى مقصفها بقيادة العم المرحوم عبدالله الحداد .
كل شي رحل من تلك الأماكن الرائعة.. رحلوا جميعا الإدارة،والاطباء ،والمرضى والعمال،والطلاب،،رحلوا إلى أماكن مختلفة فمنهم من سكن الثرى،ومنهم مازال على ظهر البسيطة يقبع في مكان ما..
مضت تلك الأيام ومازال حضورها طاغيا في ذاكرتي ينازعني الحنين إليها في لحظات الوجد والانكسار ويهفو قلبي صوبها فأشعر أن أنبل ما في جسدي ينحني ليحييها بتحية المحب المستهام الذي يحتاج اليوم إلى ترجمان ليفهم معاني ومفردات هذه الأيام .


